اللغة العربية في ذاكرة اللغات

د. سامر مياس* نادرًا ما نتوقف، ونحن نتكلم، لنسأل: من أين جاءت هذه الكلمات التي نستخدمها كل يوم؟ فاللغة تبدو في ظاهرها أداة بسيطة، لكنها في العمق سجلٌّ حي لحركة الحضارات وتداخلها. وحين نقترب قليلًا من التفاصيل، نكتشف أن اللغة العربية -التي يُظن أحيانًا أنها بعيدة عن المشهد العالمي- حاضرة بقوة في قلب لغات أخرى، خصوصًا الإنجليزية والإسبانية. وهذا الحضور ليس مصادفة، بل هو أثر حضارة كانت يومًا في قلب العالم تُنتج المعرفة وتُصدّرها.

يكفي أن نتأمل يوماً عادياً في حياة أي إنسان في الغرب. يبدأ صباحه بـ"coffee"، يضيف إليه "sugar"، وربما يقطر عليه "lemon" بعد أن يفتح الـ"magazine"، ويسمع في الأخبار عن "tariff". هذه كلمات تبدو إنجليزية خالصة، وكثير من الناطقين بها لا يعرفون أصلها، لكنها في الحقيقة تعود إلى العربية: قهوة، وسكر، وليمون، ومخازن -إذ كانت في أصلها وعاءً يخزن المعرفة ويجمعها- وتعرفة جمركية. حتى مفردات الخيال مثل "ghoul" من غول، و"genie" من جني، و"safari" من سفر، تحمل آثارًا عربية انتقلت مع الحكايات والرحلات والتجارة عبر القرون، متنقلةً من سوق إلى ميناء، ومن ترجمة إلى قاموس.

ولا يتوقف الأمر عند هذا الحد. فكلمة "alcohol" التي تُستخدم يوميًا في الطب والصناعة تعود إلى "الكحل"، وكلمة "syrup" إلى "شراب"، و"mattress" إلى "مطرح"، المكان الذي تُطرح فيه الفُرُش. أما "hazard" التي نربطها اليوم بالخطر، فيُرجَّح أنها تعود إلى كلمة "الزهر" في إشارة إلى النرد، حيث المخاطرة جزء من اللعبة. وثمة كلمات أخرى تسكن الحياة اليومية من دون أن ينتبه كثيرون إلى أصلها، مثل "cotton" من قطن، و"sumac" من سماق، و"saffron" من زعفران، و"algebra" من الجبر، و"algorithm" من اسم العالم الخوارزمي الذي وضع أسس الرياضيات الحديثة. بل إن كلمة "zero" نفسها، التي لا يقوم من دونها علم الحساب ولا التكنولوجيا الرقمية في عصرنا، مشتقة من كلمة "صفر" العربية. وهكذا فإن العربية لم تُعطِ العالم كلمات فحسب، بل أعطته أدوات تفكير ومعرفة عملية كاملة.

ومن الأمثلة اللافتة والمتداولة بكثرة في اللهجة الأميركية المحكية كلمة "gibberish" التي تعني الكلام غير المفهوم. يرتبط أصل هذه الكلمة باسم العالم العربي جابر بن حيان، الذي عُرف في أوروبا باسم Geber وكانت كتاباته في الكيمياء بالغة التعقيد على القارئ الأوروبي، فتحوّل اسمه مع الزمن إلى دلالة على الغموض واللغة غير المفهومة. في هذه القصة ما هو أعمق من مجرد أصل لغوي: كيف يمكن للعلم، حين ينتقل من سياقه، أن يتحول في وعي الآخرين إلى رمز، ثم إلى كلمة يومية تُستخدم من دون معرفة أصلها. وربما هذا هو الشكل الأعمق للتأثير الحضاري، أن تغيب عن الذاكرة وتبقى في اللغة.

وبحكم تنقلي بين الأردن والولايات المتحدة واستخدامي اليومي للغتين العربية والإنجليزية، أصبحت ألاحظ هذه التفاصيل بوضوح متزايد. ففي أحاديثي وجلساتي مع أصدقاء أميركيين ولاتينيين، أسمع كلمات أعرف جذورها.....

لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه


هذا المحتوى مقدم من صحيفة الغد الأردنية

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من صحيفة الغد الأردنية

منذ 4 ساعات
منذ 6 ساعات
منذ 4 ساعات
منذ 6 ساعات
منذ 7 ساعات
منذ 6 ساعات
خبرني منذ 12 ساعة
خبرني منذ 12 ساعة
موقع الوكيل الإخباري منذ 16 ساعة
وكالة عمون الإخبارية منذ 7 ساعات
موقع الوكيل الإخباري منذ 19 ساعة
خبرني منذ 19 ساعة
خبرني منذ 9 ساعات
خبرني منذ 11 ساعة