في المقال السابق: (سعوديتنا أولا) لم أشعر أني قلت ما أريد قولا كاملا، ومن خلال التأمل في معنى (سعوديتنا) وجدته قادني إلى سؤال مهم وهو: ماذا غير فينا سمو الأمير محمد بن سلمان؟ وهذا السؤال بدوره وجهني إلى فكرتين الأولى: حول الهوية الوطنية السعودية، والثانية: حول الإبدال والإحلال القيمي المطلوب في مجتمع رؤية السعودية 2030، وهذا كله قادني إلى محاولة تقديم قراءة بسيطة وأولية في منجز سمو الأمير محمد بن سلمان، بحسب جهدي ومبلغ علمي، وعلى هذا فالمقال السابق وهذا المقال، وعدة مقالات تالية، هي بمثابة التوطئة والتقدمة لبضع مقالات أخرى بعدها، تحت عنوان جامع هو: «في فكر الأمير محمد بن سلمان»؛ سنتحدث فيها عن جوانب منها: (الدين والتدين، والوطن والمواطن، والاقتصاد، والسياسة، ومكافحة التطرف، ومكافحة الفساد، والمرأة، والشباب، والحالمون)، ونستعرض من خلالها أهم الملامح والمعالم الفكرية والحضارية في فكر ولي العهد السعودي، والذي أحدث انقلابا ثقافيا وفكريا وقبل ذلك نفسيا في وجدان الإنسان السعودي غير مسبوق في تاريخ الوطن بعهوده الثلاثة، في ظل زمان خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود.
ولعلنا نستفتح القول في مسألة الهوية الوطنية بفكرة أظنها صوابا محضا: وهي أنه لا توجد هوية وطنية تولد مكتملة النمو، صحيحة الأركان، سليمة الحواس، فالوطنية ليست حقيقة جامدة، ولا معنى نهائيا يستقر في وجدان الناس من البداية، كما أنها ليست قالبا جاهزا يلقى على المجتمع من خارج تاريخه وواقعه وجغرافياه، فالهوية الوطنية، في معناها العميق: مسار تَشكُل طويل، ووعي متراكم، ومفهوم جماعي نضج تحت ضغط التاريخ والمصلحة والمصير، ومن هنا فإن الحديث عن الهوية الوطنية السعودية بوصفها انتقالا من السيولة إلى التشكل، ليس حديثا عن غياب ثم حضور، وإنما حديث عن معنى كان موجودا على نحو مبعثر، ثم أخذ يتحدد، ويتماسك، ويغدو أكثر وعيا بنفسه، وأكثر قدرة على جمع الناس داخل سردية واحدة، ومشروع واحد، ومصير واحد.
والسيولة لا تعني انعدام الهوية، وإنما تعني أنها لم تبلغ اكتمالها في وقت ما، إذ كانت الانتماءات والهويات الهامشية مقابلة الهوية الأم حاضرة بصورة أعلى، كما أن المرجعية العليا الجامعة لم تكن قد استوت في صورتها النهائية، فقد كان المجتمع يعيش داخل دوائر متعددة للتعريف والانتماء مثل: القبيلة، والمنطقة، والبلدة، والمذهب، والنسب، والحرفة، وشبكات القرابة، والامتدادات الاجتماعية، وفي مثل هذه الحالة لا يكون الإنسان بلا انتماء، لكنه يكون موزعا بين انتماءات متراكبة لم تنتظم بعد داخل صيغة وطنية عليا حاسمة بالمعنى المطلوب القادر على مواجهة تحديات العصر الرقمي المخيف. أما التشكل فهو لحظة انتقال هذا التعدد والتنوع من حالته المبعثرة إلى وعي جامع يعيد ترتيب ما تحته، ويمنحه معنى أوسع، ويوجهه نحو وحدة أكبر، ولهذا فليست السيولة ضعفا خالصا، لكنها تظل حالة قابلة للالتباس والاختراق وإعادة التعريف من الخارج، بينما يعني التشكل رسوخ المعنى في الوجدان، والسلوك العام.
وفي الحالة السعودية تبدو هذه الفكرة أكثر عمقا وثراء؛ لأن السعودية لم تنشأ في فراغ اجتماعي، ولم تقم على أرض خاوية من الروابط والدلالات، وإنما قامت في فضاء غني بالتنوع الإنساني، والخصوصيات المحلية، والمراكز الدينية، والامتدادات التجارية، والمدارس العلمية، وأنماط العيش المختلفة، ضمن بيئات شديدة التنوع والتباين ثقافيا: نجد والحجاز والأحساء وعسير ونجران وجازان والجوف.. إلخ، وشديدة التنوع والتباين طبوغرافيا: الساحل.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من صحيفة الوطن السعودية
