رحلة بين كرامات الأولياء ومقابرهم.. أهم الأضرحة في مطروح والساحل الشمالي وواحات الصحراء الغربية

ما لا يعلمه الكثيرون أن الأضرحة من أهم المنشآت الأثرية فى جميع العصور التاريخية، والتى اهتم بها الإنسان منذ بداية الحضارة، فالإنسان كما اهتم بعمارة مسكنه فى الحياة الدنيا، اهتم أكثر بعمارة مثواه وسكنه فى حياة البرزخ، والتى يُمضي فيها أضعاف أضعاف حياته الدنيا، فبعض القبور سكنها أصحابها منذ آلاف السنين.

ومن أشهر الأمثلة على ذلك اهتمام المصريين القدماء بمقابرهم؛ حيث أبدعوا فى عمارتها وتجميلها، ومن أشهرها أهرامات مصر الخالدة ومقابر وادى الملوك.

وظل هذا الاهتمام حاضرًا فى العصرين اليونانى والرومانى؛ حيث كان لهما نفس الشغف والاهتمام بعمارة الأضرحة والقبور وأبدعوا فى زخرفتها وعمارتها، ولا تزال تلك المقابر شاهدة على مدى تقدمهم فى هذا المجال.

فى العصر الإسلامي، اهتم المسلمون الأوائل فى عهد رسول الله ﷺ باختيار أفضل البقاع لدفن موتاهم وتكريمهم، بل كان رسول الله ﷺ يحرص بنفسه على زيارة قبور صحابته فى البقيع ويدعو لهم، ولما مات رسول الله ﷺ دُفن فى حجرة السيدة عائشة ـ رضى الله عنها ـ؛ لأن الأنبياء يُدفنون مكان قبضهم، ثم لحقه الخليفة الأول أبوبكر الصديق ـ رضي الله عنه ـ، ودُفن معه فى نفس الحجرة، ثم لحقهم الخليفة الثانى عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه وأرضاه ـ، وظل الثلاثة محط رحال الزائرين لمدينة رسول الله ﷺ منذ ذلك التاريخ إلى يومنا هذا، لتهفو النفوس لزيارة قبر المصطفى ـ صلى الله عليه وسلم ـ وزيارة أهل البقيع، بل والدعاء أن يقبضنا الله ونُدفن بجوارهم فى المدينة المنورة، كما أوصى رسول الله ﷺ.

توالت بعد ذلك الدول والممالك والذين حرصوا حرصًا شديدًا على الاهتمام بعمارة الأضرحة سواءً كانت لأولياء الله الصالحين أو غيرهم من الملوك، وعُرفت مصر بوجود العديد من أضرحة آل البيت الكرام بأرضها، وكذلك الصحابة من الفاتحين الأوائل.

ويرجع أقدم شاهد قبر فى مصر للعقد الأول بعد الفتح الإسلامي لمصر، وهو أقدم شاهد قبر من العصر الإسلامى، وأقدم نموذج باقٍ للكتابات على الحجر في الفن الإسلامي فيما هو معروف حتى الآن، ويعود هذا الشاهد لجمادى الآخر سنة 31هـ، أى زمن الخليفة الثالث صاحب رسول الله ذى النورين عثمان بن عفان رضى الله عنه، نٌقش على قطعة من الحجر الجيرى من ثمانية أسطر، بلا تنقيط بخط كوفى بدائى:

"بسم الله الرحمن الرحيم هذا القبر لعبد الرحمن بن خير (أو جبر) الحجرى (أو الحجازى) اللهم اغفر له وأدخله فى رحمة منك وآتنا معه استغفر له إذا قرأ هذا الكتب (الكتاب) وقل آمين وكتب هذا الكتب فى جمادى الآخر من سنت إحدى وثلثين"ـ والشاهد محفوظ بمتحف الفن الإسلامى بالقاهرة.

وتتوالى العصور والدول من أموى إلى عباسي إلى فاطمى وأيوبى إلى مملوكى إلى عثمانى وحتى عصرنا الحديث، وكل عصر له أوليائه وأضرحته.

وعلى الدوام، كانت برقة ولا زالت منذ فتحها فى عهد الخليفة عمر بن الخطاب عام ٢٢هـ/ ٦٤٣م جزءا أصيلاً من مصر، وتخضع لحكمها، سيما الجانب الشرقى منها، وهو ما يُطلق عليه حاليا الساحل الشمالي الغربي لمصر، والذى ورد ذكره فى كتب الرحالة والمستشرقين عبر العصور.

ومنذ بدء عملي كمفتش آثار إسلامية وقبطية بمطروح منذ ٢٥عاما، يساورني سؤال واحد لم أجد إجابة له إلا مؤخرا، والسؤال هو: لماذا لا توجد آثار ثابتة مدنية (دور أو قصور) أو مبان عسكرية (قلاع أو حصون) أو دينية (مساجد أو أضرحة أو تكايا) على طول هذا الساحل ألم يكن مسكونا؟!

ومن خلال عملى قمت بعمل مسح أثرى شامل للساحل من الحمام شرقًا للسلوم غربًا، وكنت دائمًا أُصاب بخيبة أمل، فمعظم الاكتشافات كانت من العصرين الروماني أو البيزنطي، كنت أردد في نفسي، كيف هذا وإقليم برقة الذي يبدأ من غرب الإسكندرية وحتى بنغازي كان من أهم الأقاليم في العصر الإسلامي بعد فتحه على يد عمرو بن العاص سنة ۲۱ - ۲۲ هجرية، وضمها للدولة الإسلامية وفيه دارت معارك شهيرة في زمن الفتوحات، ومنها موقعة ذات الصوراي حيث دارت بمدينة "رأس الحكمة" حاليًا، إلا إنني وجدت الإجابة في كتابات الرحالة والمستشرقين.

برقة في كتب المؤرخين أما العبدري (٦٨٨هـ ـ١٢٨٩م) فقال في ثنايا رحلته: "ومما يلي الإسكندرية من هذه الأرض العقبة الكبيرة وبينها وبين الإسكندرية عشرة أيام، ثم العقبة الصغيرة وبينها وبين الكبيرة ستة أيام، ومنها إلى الإسكندرية أربعة وكلتاهما خلاء لا ساكن بها ولا مسكن وأكثر مواضع هذه الأرض، هكذا أسامٍ بلا مسميات وهي برية واحدة ممتدة إلى الإسكندرية".

ودون العياشي هذه السطور في رحلته "ماء الموائد" عام ١٦٦٣م: "أرض برقة منقسمة في عرف أهلها على أقسام: أولها من حسان إلى وراء الأحمد بيومين يُسمى سرت، ومن هناك إلى قرب المنعم يسمى برقة البيضاء، ومن هناك إلى سلوق يسمى برقة الحمراء، ومنه إلى التميمي يسمى الجبل الأخضر ومنه إلى العقبة يسمى البطنان ومن العقبة الكبرى إلى الصغرى يسمى بين الأعقاب ومن العقبة الصغرى إلى الإسكندرية يسمى العقبة الصغرى".

خرائط عثمانية من القرن السادس عشر تظهر مدن مرسى مطروح

وورد في الرحلة الناصرية لأحمد بن محمد بن ناصر الدرعي (١١٩٦هـ-/ ١٧٨٢م): "لقد كانت أراضي برقة مع اتساعها وقلة ساكنها ورطوبة أراضيها وطيب هوائها، وكثرة خصبها وجودة زرعها وقلة مرضها و نذور قومها، كثيرة القراض والخشاش من العقارب والحيات والخنافس والأحناش، لا تكاد تسير ميلا أو فرسخا إلا وتقع على قرية من القرى، وآبار ومآذن منقورة في الصلد من الحجارة نقرًا، وبيوتًا منحوتة وكثيرًا ما يظهر الجن لمن تاه بها جهاراً، يسكنها أحياء من الجفاة لا يرى منهم الحاج ضرراً إلا في النادر، ألسنتهم باقية على أصلها لم تتبلبل ولا عرف نساؤهم في التبرقع قد تبدل".

والعقبة الكبرى هي السلوم، والعقبة الصغرى شرقي مطروح (رأس الكنايس) أو ما يُعرف الآن بـ"رأس الحكمة"، وبين الأعقاب: هي المنطقة الممتدة من السلوم غربًا وحتى مطروح شرقاً.

خرائط عثمانية من القرن السادس عشر تظهر مدن مرسى مطروح

وأهل برقة منذ دخول الإسلام وهم على المذهب المالكي مذهب أهل الغرب، وتأثروا تأثراً كبيرا بسقوط الأندلس، ولم يكتفوا بذلك، بل استقبلوا المسلمين الفارين من الأندلس بعد سقوطها، وكان من ضمن هؤلاء الفارين علماء ومشايخ وأولياء صالحين تم دفنهم على طول الساحل الشمالى أثناء رحلتهم، فلا تجد نجعًا من نجوع العرب إلا ومدفون فيه شيخ أو ولى من أهل النجع أو من الأندلسيين الذين وصلوا وعاشوا بينهم، واشتهر لقب «سيدى» تعظيما وتكريما لهؤلاء الأولياء، ومن أشهر هؤلاء السادة على سبيل المثال لا الحصر «سيدى المرسي أبو العباس، سيدى جابر، سيدى عبد القادر، سيدى عبدالرحمن، سيدى العوام، سيدى البرانى» وبعضهم كان من علماء السنوسية ومشايخها.

والآن سنتجول فى محافظة مطروح لاستكشاف أهم الأضرحة بها وقصة كل منها، ونبدأ بالشرق وصولاً لأقصى الغرب:

خرائط عثمانية من القرن السادس عشر تظهر مدن مرسى مطروح

سيدى عبد الرحمن وأسطورة البطيخة سُميت المنطقة التى دُفن بها على اسمه، وهو «الشيخ عبد الرحمن الهدهودي» من قبيلة الهداهدة، والتي يعود نسبها إلى الأشراف والمدفون بها، ولا يزال أحفاده يُقيمون بعزبة جويدة بمركز شبراخيت بمحافظة البحيرة، كما ذكر أحد الأصدقاء، وقد أمر الملك فؤاد ببناء مسجد على ضريحه بعد انتشار الروايات عن كراماته، وحب الناس له وحديثهم عن مدى علمه وتدينه.

وسيدي عبد الرحمن كان ينتمي لقبائل المرابطين، واسمه عبد الرحمن الهدهودي، وشهرته «أبو بطيخة»، ولما مات دفنه أولاده في هذا المكان، وأقاموا عليه مقاما، وتم تسمية المكان باسمه.

الملك فؤاد الأول يزور مسجد سيدي عبد الرحمن عام 1928م

ونزل ذرية سيدي عبد الرحمن البحيرة بعد موت أبيهم، وأخدوا عزبة لهم في شبراخيت، لا تزال موجودة واسمها عزبة «جويد»، وجويد هذا أحد أبناء سيدي عبد الرحمن.

ومقام سيدي عبد الرحمن نُسجت حوله القصص الشعبية التي تخلط بين الحقيقة والأسطورة، وأبرزها قصته قتله غدراً، حيث تواترت الروايات أن "سيدي عبد الرحمن" كان حاجاً، وفي روايات أخرى تاجرًا، كان في طريقه لأداء مناسك الحج، حيث قتله رفيقه في السفر لسرقته ودفنه في تلك المنطقة، ثم تتطور القصة بظهور الكرامة أو ما يُعرف بـ«أسطورة البطيخة»، حيث تذكر الرواية أن السنوات مرت، وعندما عاد القاتل من الحج وجد بطيخة نبتت قبل أوانها عند موضع قبر عبد الرحمن، ففتحها وسط الناس فوجد بداخلها دماً ما جعله ينهار ويعترف بجريمته ويدل على مكان الدفن.

وتقع المنطقة غرب مدينة العلمين بـ 30 كم، وقد تحولت من منطقة ساحلية بسيطة إلى أشهر مصايف النخبة في مصر، ويحرص أهالي مطروح والزوار على زيارة المسجد والضريح خاصة في رمضان.

وبُني المقام أول ما بُنى كزاوية صغيرة شيدها الأهالي على القبر، واشتهر باسم سيدي "عبد الرحمن أبو بطيخة"، وأصبح مقصداً للتبرك، وأطلق اسمه منذ الأربعينات على أشهر منطقة سياحية حاليًا بالساحل الشمالي الغربي، حيث يقع ضريحه داخل مسجده المتواضع الذي لا يليق بشهرته.

ويقول العمدة ياسين العقارى عمدة العلمين التي تتبعها منطقة سيدى عبد الرحمن إن المسجد له شهرة كبيرة مثل سيد البدوى في طنطا، ولكن نظرًا لوجوده فى منطقة بعيدة عن الدلتا فإن الزائرين محدودون، وإن كان أهالى مطروح يحرصون على زيارته بكثافة، ولا تزال للمسجد مكانته الدينية في قلوب الأهالي، ويحرص الكثيرون على أداء الصلاة في الساحة الخارجية به خاصة في شهر رمضان.

مسجد سيدي عبد الرحمن خلال حرب العلمين سنة 1942م

سيدي العوام.. الولي الذي قذفه البحر نتجه الآن لعاصمة المحافظة مدينة مرسى مطروح، وأشهر الأضرحة بها مسجد الولى الصالح «سيدى العوام»، "يا سيدي العوام العالي لا تشمت فينا لا والي" بهذه الكلمات التي كان يتغنى بها أبناء محافظة مطروح من القبائل البدوية، كانت تبدأ ليالي مولد العوام في الجمعة الثالثة من شهر يوليو من كل عام، حيث يتوافد العشرات على ساحة المسجد المقام على كورنيش مرسى مطروح، وينصبون خيامهم حول السور الخارجي للمسجد أو في ساحته الواسعة لمدة تتراوح ما بين 3 إلى 7 أيام.

مسجد العوام القديم

حكاية المسجد يعد مسجد العوام أبرز وأقدم مساجد وأضرحة مدينة مرسى مطروح، ويقع على شاطئ الكورنيش غربي المدينة وبجوار منطقة الليدو السكنية، وكان قبر شخص سماه أهل مطروح «العوام»، تقع على ما يسمى الآن «شاطئ العوام»، ظنًا منهم أنه صاحب كرامات بعد أن عثروا على جثمانه طافيًا فوق مياه البحر هناك، حيث لم يأكل جسده السمك ولم تتغير ملامحه مياه البحر وهو ميت.

مسجد العوام القديم

شُيد مسجد العوام القديم عام 1910م، حيث قام بافتتاحه السيد أحمد شفيق باشا، رئيس ديوان مصر الخديوية ومدير إدارة ديوان الأوقاف الأهلية، والسكرتير الخاص للخديو عباس.....

لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه


هذا المحتوى مقدم من بوابة الأهرام

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من بوابة الأهرام

منذ ساعتين
منذ 11 ساعة
منذ ساعتين
منذ ساعتين
منذ 30 دقيقة
منذ 3 ساعات
صحيفة اليوم السابع منذ 5 ساعات
صحيفة اليوم السابع منذ 10 ساعات
بوابة الأهرام منذ 21 ساعة
صحيفة الوطن المصرية منذ 13 ساعة
صحيفة المصري اليوم منذ 5 ساعات
موقع صدى البلد منذ 15 ساعة
صحيفة اليوم السابع منذ 20 ساعة
صحيفة اليوم السابع منذ 9 ساعات