يدخل العراق مرحلة سياسية دقيقة مع انقضاء المهلة الدستورية المحددة لتكليف مرشح رئاسة الحكومة، وسط استمرار الانقسام داخل قوى الإطار التنسيقي وعدم التوصل إلى اتفاق نهائي على شخصية تقود المرحلة المقبلة، ما يفتح الباب أمام جملة من السيناريوهات المعقدة التي قد تعيد إنتاج مشهد الانسداد السياسي.
وكان البرلمان العراقي قد انتخب في 11 نيسان الجاري نزار آميدي رئيساً للجمهورية، لتبدأ بعدها مهلة الـ15 يوماً المنصوص عليها في المادة 76 من الدستور، والتي تُلزم رئيس الجمهورية بتكليف مرشح الكتلة النيابية الأكثر عدداً، إلا أن هذه المهلة انتهت دون حسم، في سابقة تتكرر ضمن النظام السياسي العراقي الذي اعتاد تجاوز السقوف الزمنية الدستورية دون تبعات قانونية واضحة.
وتشير المعطيات السياسية إلى أن الخلاف داخل الإطار التنسيقي يتمحور حول أكثر من اسم، أبرزهم رئيس الوزراء الحالي محمد شياع السوداني، مقابل تمسك ائتلاف دولة القانون بزعيمه نوري المالكي، في وقت تتحدث فيه مصادر سياسية عن طرح أسماء بديلة كحل توافقي لتجنب الانقسام.
ويبرز في هذا السياق سيناريو تجاوز المدة الدستورية كأمر واقع، إذ تميل القوى السياسية إلى مواصلة التفاوض رغم انتهاء المهلة، استناداً إلى سوابق مشابهة شهدتها البلاد في دورات سابقة، ما يعزز فكرة أن النص الدستوري يفتقر إلى أدوات الإلزام والتنفيذ.
في المقابل، يلوح في الأفق احتمال الدخول في فراغ سياسي مفتوح، يعيد إلى الأذهان أزمة ما بعد انتخابات 2021، حين استمر التعطيل لأشهر طويلة قبل التوصل إلى تسوية سياسية أفضت إلى تشكيل الحكومة الحالية، وهو سيناريو لا يستبعده مراقبون في ظل تشابك المصالح الداخلية مع الضغوط الخارجية.
كما يطرح انقسام الإطار التنسيقي نفسه كأحد أخطر المسارات، إذ إن ذهاب بعض أطرافه لدعم السوداني مقابل تمسك أطراف أخرى بالمالكي قد يؤدي إلى تفكك التوافق الشيعي، ما ينعكس على مجمل العملية السياسية ويهدد استقرارها.
وفي ظل هذه التعقيدات، يبرز خيار مرشح التسوية كأحد الحلول المطروحة، وهو سيناريو يلجأ إليه الفرقاء عادة عند انسداد الأفق، عبر تقديم شخصية تحظى بقبول نسبي داخلي وخارجي، بهدف تمرير التكليف واحتواء الأزمة.
بدورها قالت عضو تحالف البديل أسماء الصالح إن تجاوز المهلة الدستورية لا يمكن التعامل معه كإجراء اعتيادي، بل يمثل خرقاً واضحاً للنصوص التي تنظم انتقال السلطة في العراق ، مبينة أن استمرار هذا النهج يعمق أزمة الثقة بين المواطن والمؤسسات السياسية .
وأضافت الصالح لـ عراق أوبزيرفر أن غياب النصوص العقابية في الدستور شجع القوى السياسية على التمادي في تجاوز التوقيتات، ما يفرض ضرورة إعادة النظر بالإطار القانوني لضمان عدم تكرار هذه الأزمات مستقبلاً .
وفي موازاة ذلك، لا يُستبعد أن تلجأ بعض الأطراف إلى المحكمة الاتحادية العليا لطلب تفسير قانوني لطبيعة الفراغ الحاصل، أو تحديد آليات ملزمة لحسم الجدل حول الكتلة الأكبر، وهو ما قد يفتح مساراً قضائياً موازياً للعملية السياسية.
ومع استمرار التعثر، يبقى خيار الإبقاء على الحكومة الحالية بصيغة تصريف الأعمال قائماً، رغم التحذيرات من تداعياته على الملفات الاقتصادية والخدمية، وفي مقدمتها تعطيل إقرار الموازنة وتأخير المشاريع الحيوية.
وبين هذه السيناريوهات، يقف العراق أمام مفترق طرق سياسي، حيث لم يعد الخلاف مقتصراً على اختيار رئيس حكومة، بل بات يتعلق بقدرة النظام السياسي على الالتزام بسقوفه الدستورية، في ظل تحديات داخلية وضغوط خارجية قد تفرض في نهاية المطاف تسوية لا تشبه أي من الخيارات المطروحة حالياً.
هذا المحتوى مقدم من عراق أوبزيرڤر
