من المؤكد أن الشعر الشعبي بات اليوم أكثر تأثيرا في الناس وقربا من همومهم وواقعهم من الشعر الفصيح. وإذا كانت الشحر هي مركز الشعر الشعبي الحضرمي في الساحل والمشقاص، فسحيل سيؤن وامتداده في ضاحية مدودة هما مركز الشعر الشعبي في وادي حضرموت. ومن منّا لم يسمع بالمحضار وآل الحباني في الشحر ومستور حمادي وناصر يسلم بن ناصر وسالم عبد القادر العيدروس وعبيد محيندان قفزان وآل باحارثة في سيؤن؟
وهذا لا يعني أن ليس هناك اليوم عدد كبير من الشعراء الشعبيين الآخرين يصولون بجدارة في مدارات مطالع الشبواني وجلسات الدان في تريم وشبام والغرفة والمكلا وغيل باوزير وتاربة وغيرها من مدن وقرى حضرموت.
وبعد أن كرّسنا سنة 2020 كتابا لدراسة ست شاعرات شعبيات من حضرموت نشرنا سنة 2023 كتابا بعنوان (دراسات في الأدب الشعبي في حضرموت)، ضمنّاه دراسة لشعر وحكايات الأديب الشعبي الشبامي أحمد بركات، ودراسة أخرى عن أشهر شعراء بني مغراه في الوادي: عبيد محيندان قفزان.
وفي السطور الآتية سنحاول أن نسلط قليلا من الضوء على بعض جوانب شعر أحد أبناء سحيل سيؤن: مستور سليمان حمادي. فعلى الرغم من المقالات القليلة التي كرست لمستور، التي لا تعدوا أن تكون في معظم الأحيان مجرد إشارات عابرة، لا يزال شعر مستور وكثير من الشعراء الشعبيين في حضرموت شبه مجهول، وبحاجة إلى دراسات متعمقة تركز على ما يتميّز به كل شاعر.
من هو مستور سليمان حمادي؟
ولد مستور سليمان حمادي سنة 1897 في حافة السحيل التي تعدُّ نواة مدينة سيؤن الطويلة بحضرموت. ولم تتمكن أسرته الفقيرة، التي كانت تمتهن حياكة الملابس، أن تؤمن له من يعلمه القراءة والكتابة، لذلك ظلّ أمياً حتى وفاته. وقد توفي والده، الذي كان من أبرز الشعراء الشعبيين المعروفين في حافة السحيل، وعمره لم يتجاوز الثالثة عشرة، وتربّى في كنف عمّه عـمر مع إخوانه الثلاثة أحمد وعمر وكرامه.
ومنذ صغره ابتعد مستور عن حرفة أهله، إذ كان يميل إلى الطرب والغناء ورقصة (الشرح)، ويقال إنه كان يهرب من البيت ليلاً ليرقص في حلقات الشرح، ويعزف الناي (المزمار) ويضرب الهاجر (الطبل)، ويمارس كذلك الغناء إذ أن صوته كان شجيا وناعما. وعندما منعته أمه في إحدى الليالي من الخروج وأغلقت عليه الأبواب قفز من سطح البيت فانكسرت ثناياه.
وإضافة إلى الغناء والشرح كان الصبي مستور يعشق الشعر. فقد بدأ يرتجله بشكل عفوي وعمره اثنا عشر عاما فقط. وكانت قريحته مبدعة وخصبة، وكان يفتن نساء السحيل بصوته وشعره، ويبدو إن في إحداهن اتهمته بالجنون فعرفها وقال فيها هذين البيتين على صوت يافتاح يامطلوب (زينه وأحمد المدحي لهم سنتين يتهاوون ** يا فتاح يا مطلوب). فاشتكته المرأة إلى أبيه أولا ثم إلى السلطان منصور الكثيري الذي سجنه ثم أفرج عنه عندما تشفعن له نساء القصر بعدما سحرهن بقصيدة قال فيها:
حليله تجدي الروحة مخلِّتنا كما هوب
يا فتاح يا مطلوب
خلونا سنه باغنّي من بعد السنة باتوب
يا فتاح يا مطلوب
وظل مستور طيلة حياته يهز راسه يمينا وشمالا؛ وسبب ذلك أنه أصيب في صغره بجرح في أحد كتفيه، ولم يندمل الجرح بسرعة وكان الطفل يحرك راسه لطرد الذباب عن الجرح إلى أن شفاه الله منه. إلا أن هزة الراس لازمته مدى الحياة.
وفي عقدي العشرينيات والثلاثينيات لمع الشاعر مستور حمادي في وادي حضرموت وأصبح أحد الشعراء المرموقين، وشارك في المساجلات وجلسات الدان مع سالم عبد القادر العيدروس وسليمان بن عون وحداد بن حسن الكاف وخميس كندي، وفيما بعد مع تلميذه وجاره ناصر يسلم بن ناصر الذي قام بجمع معظم قصائده ومساجلاته ونشرها في مطلع الثمانينيات بالتعاون مع شعبة سيؤن لاتحاد الأدباء.
ومن أبرز المساجلات الشعرية التي شارك فيها مستور حمادي تلك المساجلة التي جمعته مع ابن حافته الشاعر عبيد محيندان قفزان والشاعر.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من عدن تايم
