أحمد عمر بن فريد لـ«عدن الغد»: لا وصاية على شعب الجنوب.. والرياض بوابة أي تسوية قادمة

في لحظة سياسية تبدو أكثر تعقيدًا من أي وقت مضى، يعود ملف الجنوب إلى واجهة النقاش مجددًا، ليس بوصفه قضية محلية مؤجلة، بل باعتباره أحد مفاتيح التسوية الأوسع في اليمن والمنطقة. وبين دعوات الحوار الجنوبي الجنوبي، وتبدل موازين القوى، وتراجع بعض المشاريع وصعود أخرى، تتزايد الأسئلة حول مستقبل الجنوب، وحدود الدور الإقليمي، وموقع المملكة العربية السعودية في أي مسار سياسي قادم.

في هذا الحوار المطول مع صحيفة «عدن الغد»، يقدّم القيادي والسياسي أحمد عمر بن فريد قراءة صريحة للمشهد، متحدثًا عن أسباب الإخفاقات السابقة، وتجربة المجلس الانتقالي، وحاجة القوى الجنوبية إلى مراجعة عميقة، مؤكدًا أن أي حل عادل يجب أن ينطلق من قاعدة واحدة: أن الشعب هو وحده من يملك حق تقرير مستقبله السياسي دون وصاية أو فرض من أي طرف.

وفيما يلي نص الحوار:

عدن الغد: دعنا نبدأ حديثنا من آخر التطورات السياسية اليوم في جنوب اليمن واليمن عموماً، انتهت الحرب في المحافظات الجنوبية منذ عشر سنوات لكن هذه المحافظات لا تزال حتى اليوم تعيش ظروفًا صعبة.. برأيك أين كمن الخلل خلال الفترة الماضية؟

أحمد عمر بن فريد: في تقديري أن هناك أسبابًا عامة يمكن أن ترافق أي مناطق صراع في أي مكان في العالم، وفي أي حقبة زمنية أيضًا، وهي أن مناطق الصراع غالبًا ما تكون مضطربة على مختلف الأصعدة. وحينما نقول صراعًا لا يعني بالضرورة أن تكون فيها حروب مشتعلة، ولكن وضعها مرتبط بمناطق صراع أخرى تؤثر وتتأثر بها. والجنوب، حتى وإن تحرر من هيمنة الحوثي وقوات صالح في السنة الأولى لعاصفة الحزم، إلا أنه لا يزال يخضع حتى اللحظة لنتائج الصراع مع الحوثي، التي لا تزال مستمرة حتى يومنا هذا، وهذا سبب عام.

أما الأسباب الخاصة أو الذاتية، فهي تتعلق بحالة استثنائية من حيث توصيف وضع الجنوب وقضيته وشعبه الذي يسكن كل هذه الرقعة الجغرافية الشاسعة الجنوب أو الجنوب العربي كما أحب أن أسميه. هذه المساحة والشعب الذي يسكن عليها وقضيته السياسية المعترف بها، لا يزال أيضًا مرتبطًا عمليًا وقانونيًا مع سلطة الشرعية اليمنية، بما تحتويه هذه الشرعية من خصوم سياسيين لا يقلون، من وجهة نظري، خطورة على الجنوب وقضيته من الحوثيين أنفسهم، وهذا ما يدفع تلك القوى للدخول فيما يمكن تسميته بـ الحرب الباردة في أحسن الأحوال مع القوى الجنوبية، وأحيانًا في حروب مباشرة على الأرض كما شاهدنا ذلك في عدة محطات. كل ذلك ينتج بطبيعة الحال وضعًا مرتبكًا وغير مستقر في الجنوب، الذي هو ضحية لهذه التركيبة المعقدة التي وصفناها.

عدن الغد: أُعلن مؤخرًا عن نية المملكة العربية السعودية إقامة مؤتمر حوار جنوبي-جنوبي، ما رأيك بهذه الدعوة؟ وإلى أين وصلت الجهود؟

أحمد عمر بن فريد: الدعوة السعودية لعقد مؤتمر جنوبي جنوبي في الرياض حدث مهم جدًا، كونها المرة الأولى التي يدعو فيها نظام عربي رسمي الجنوبيين للحوار على أرضه، إضافة إلى أنها تكتسب أهمية أخرى بحكم الثقل السياسي الدولي الذي تمثله المملكة العربية السعودية، وقدرتها الكبيرة على التحشيد الإقليمي والدولي والدعم السياسي، وبحكم الارتباط الجيوسياسي الذي يرتبط فيه الجنوب مع المملكة أيضًا، وكونها الدولة الأولى التي تدير وتتحكم في الملف اليمني بشكل عام. ولا شك أن قضية الجنوب وقواه السياسية في حاجة إلى حوارات جادة فيما بينها، ولكن من المهم جدًا، وكضمانة لنجاح الحوار، ألا يكون هذا الحوار معزولًا عن الواقع السياسي في الجنوب وعن طبيعة القضية وجوهرها، إذ عليه أن يتبنى الإرادة الشعبية الجنوبية ويعكسها في التمثيل والنتيجة أيضًا إن أُريد له أن ينجح. والجهود السعودية بلا أدنى شك تُبذل في مسارات تدرك فيها أنها تريد لهذا المؤتمر أن يكون بحجم هذه القضية وأهميتها، والرياض حريصة أيضًا على نجاح المؤتمر، ولهذا فهي لا تبدو متسرعة في الإجراءات الخاصة به، فهي ترسم طريق الحوار بهدوء وحذر أيضًا.

عدن الغد: سيطر المجلس الانتقالي الجنوبي على المحافظات الجنوبية خلال 7 سنوات تقريبًا، لكنه سقط لاحقًا بطريقة دراماتيكية برأيك كيف تقيم هذه التجربة؟

أحمد عمر بن فريد: أعتقد أن تجربة المجلس الانتقالي تحتاج إلى تقييم حقيقي مستفيض، ولا يمكن لي أن أقيم تجربة طويلة في أسطر قليلة. ومن ناحية أخرى، دعني أختلف معك حول مضمون السؤال، لأن المجلس الانتقالي لم يسيطر بصورة مطلقة على المحافظات الجنوبية، والصحيح أنه كان يملك نفوذًا عسكريًا وأمنيًا كبيرًا في بعض المحافظات الجنوبية وليس كلها. فعلى سبيل المثال، كانت الشرعية بجناح حزب الإصلاح الإخوان المسلمين قد سيطرت على شبوة لأكثر من عامين ولم تنجح في تقديم صورة مختلفة، وكان المجلس الانتقالي في جميع الفترات ضمن ما كنت أسميه شخصيًا شراكة مختلة مع الحكومة الشرعية، وهذه الشراكة جعلت منه شماعة تُعلق عليها أخطاء جميع الأطراف، بينما يظهر شكليًا أن الانتقالي كان شريكًا بالمناصفة، والأمر ليس كذلك. لكن هذا لا يعني أن المجلس الانتقالي كان خاليًا من العيوب أو أنه لم يرتكب أخطاء في تلك المرحلة، أو أنه لم يكن ليستطيع أن يقدم شكلًا أفضل مما قدم، لا أستطيع أن أقول ذلك بطبيعة الحال، ولكن في المقابل علينا أن نعدل في التقييم ونضع جميع الأطراف في ميزان واحد بمعايير واحدة حتى يمكن أن نحصل على تقييم صحيح وسليم ومفيد أيضًا.

عدن الغد: ما هي الأخطاء التي وقعت فيها المكونات السياسية الجنوبية خلال سنوات ما بعد حرب 2015؟

أحمد عمر بن فريد: أعتقد أن دور المكونات السياسية الجنوبية في تلك المرحلة كان ضعيفًا نسبيًا، إذ إن صوت الحرب كان أقوى بكثير منها، وكانت المقاومة الجنوبية بعناصرها التي أتت نسبة منها من خارج الحراك الجنوبي قد أبهتت الدور السياسي لقوى الحراك، ولم تستطع المكونات الجنوبية أن تفرض نفسها في تلك الفترة لأن الظروف الإقليمية للحرب لم تكن لتساعدها على ذلك، بل يمكن القول إن دورها في تلك المرحلة كان غير مرغوب فيه، إلا إذا بدلت خطابها السياسي بشكل جوهري بما يتطابق مع خطاب عاصفة الحزم السياسي المتعلق بإعادة الشرعية اليمنية والدفاع عنها فقط، وهو ما فعلته بعض الأطراف الجنوبية كأفراد فقط لأغراض ذاتية صرفة، وبالتالي من الصعب أن نحاكم المكونات الجنوبية خاصة في تلك الفترة الزمنية المذكورة لأنها ببساطة شديدة لم تكن بيئتها أبدًا.

عدن الغد: نادت القيادات الجنوبية التي خرجت ضد صالح بالإصلاح والعدالة، لكنها حينما حكمت قدمت نموذجًا أسوأ بكثير.. برأيك أين كان يكمن الخطأ حيال هذه التجربة؟

أحمد عمر بن فريد: دعني أجيب على هذا السؤال الهام بشقين اثنين، الشق الأول أنه لا يمكن المقارنة نهائيًا بين التجربتين، لأن مثل هذه المقارنة لا تملك معايير منهجية صحيحة، إذ إنها تشبه المقارنة والمفاضلة بين لاعب كرة قدم ولاعب كرة سلة، وهي مقارنة لا تجوز أصلًا، لأن شروط وأحكام وقوانين وملعب كرة القدم تختلف تمامًا عن شروط وأحكام وقوانين وملعب كرة السلة. فعلي عبدالله صالح كان يحكم بـ المطلق دولة مستقرة ذات سيادة تملك مؤسسات وموارد مالية ضخمة، وكان يمكنه أن يقدم نموذجًا أفضل بكثير مما كان بما لا يقل عن خمسين مرة على الأقل، في حين أن القيادات الجنوبية لم تحكم بـ المطلق دولة مستقرة ذات سيادة، وإنما سيطرت على أجزاء من دولة مضطربة متشابكة تتصارع فيها قوى ومشاريع سياسية عديدة وفيها تداخلات إقليمية ودولية كثيرة أيضًا. أما الشق الثاني من الجواب، فهو نعم، كان بالإمكان بكل تأكيد أفضل مما كان بكثير جدًا، فإذا كان علي عبدالله صالح قد أخفق بما كان متاحًا له من مقدرات دولة، فقد أخفقت القيادات الجنوبية أيضًا في الوصول إلى الحالة المثلى بما كان متاحًا لديها من إمكانيات وفرص، خاصة فيما يتعلق بمستوى الوحدة الوطنية الجنوبية، لكن بشكل عام لا يجوز المقارنة بين الإمكانيات التي كان يملكها صالح والإمكانيات التي توفرت تحت تصرف القيادات الجنوبية من حيث الكم والكيف، ناهيك عن عوامل الاستقرار والتفرد الكامل بالسلطة ومؤسسات الدولة التي كان يملكها صالح ولم تملكها القيادات الجنوبية.

عدن الغد: يرى كثيرون أن المرحلة السابقة في جنوب اليمن كانت مرحلة هيمنة خارجية أفقدت الانتقالي قدرته على التعاطي مع الأحداث بعقلانية، وهو الأمر الذي أوصله إلى أن يكون ضحية صراع إقليمي كيف يمكن تجاوز هذه المعضلة مستقبلًا؟

أحمد عمر بن فريد: دعني أقول إن ما حدث كان نكسة كبيرة للجنوب وقضيته الوطنية، وهو في جزء كبير منه كان نتيجة لصراع إقليمي أكثر من أي شيء آخر، لكنني أفضل في هذه المرحلة عدم الخوض في تفاصيل ما حدث أو تحميل هذا الطرف أو ذاك المسؤولية الكاملة أو الجزئية منها، لكنه حدث مزلزل يحتاج من قوى الجنوب إلى تقييم حقيقي داخلي. ومن المؤسف لنا جميعًا أن ما حدث وما أنتجه من دمار كبير على مختلف المستويات كان يمكن تجاوزه بقليل من الحكمة. ومهما يكن الحال، فلا بد من القول إن الهيمنة الخارجية لا تقتصر على الحالة اليمنية بشكل عام أو الجنوب بشكل خاص، فهي اليوم سمة تكاد تكون موجودة في مختلف مناطق العالم، والمعايير التي يقاس بها التدخل الخارجي اختلفت من ستينيات القرن الماضي على سبيل المثال عنها اليوم. فمن كان يتصور أن الولايات المتحدة الأمريكية التي كانت تصور نفسها على أنها مشعل الحرية والديمقراطية سوف تقوم باختطاف رئيس دولة ذات سيادة من حجرة نومه وتستبدله بمن تريد! هذا حدث، وتحدث منه نماذج كثيرة في مناطق مختلفة، والسياسة اليوم تحتاج أن تتعامل مع ظروفها بمعايير مختلفة، وعلينا أن نحاول أن نجد لأنفسنا سبيلًا يحافظ على مصالحنا بدرجة رئيسية ويحافظ على الكرامة الوطنية أيضًا في نفس الوقت.

عدن الغد: هناك مشاريع سياسية متعددة تطرح رؤى لحل القضية الجنوبية، هل يمكن لكافة الأطراف السياسية بما فيها الوحدوية طرح رؤيتها للحل في مؤتمر الحوار القادم؟

أحمد عمر بن فريد: الحوار الجنوبي الجنوبي القادم هو مؤتمر شامل لن يستثني أحدًا، وبحسب معلوماتي أنه لن تتمثل فيه أحزاب أو مكونات سياسية، وإنما شخصيات جنوبية تمثل مختلف محافظات الجنوب وفق معايير خاصة، وبطبيعة الحال ستطرح في المؤتمر رؤى مختلفة لحل قضية الجنوب، بما فيها الرؤى ذات التوجه الوحدوي، وسوف تتبنى المملكة العربية السعودية مخرجات هذا الحوار ونتائجه أيًا كانت. وفي تقديري أن مسألة التوافق لن تكون سهلة بين هذه القوى السياسية ذات التوجهات المختلفة، ولكن هناك صيغة ذهبية، إن جاز التعبير، يمكن أن تضع الجميع على أرضية مشتركة وسوف تكون مقبولة للجميع، وهذه الصيغة لا أدعي أنني صاحبها، فهي صيغة سبق أن طرحها الأستاذ الكبير عبدالرحمن الجفري قبل مؤتمر القاهرة ولم يؤخذ بها مع الأسف الشديد حينها، وهي لا تزال صالحة وستكون منقذة لنا جميعًا في الحوار الجنوبي القادم.

هذه الصيغة تقول ما يلي: من حق أي طرف أو شخصية جنوبية أن يكون له رأيه في كيفية حل قضية الجنوب، سواء كان ينادي بالوحدة المركزية مع صنعاء أو الفيدرالية الثنائية أو مخرجات الحوار اليمني من ستة أقاليم أو إقليمين أو فك الارتباط كما ننادي به نحن، ولكن ليس من حق أي طرف من هذه الأطراف أن يدعي أو يزعم أن رأيه يمثل رأي شعب الجنوب أو إرادته، وعلى جميع.....

لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه


هذا المحتوى مقدم من صحيفة عدن الغد

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من صحيفة عدن الغد

منذ 3 ساعات
منذ 11 ساعة
منذ 5 ساعات
منذ ساعة
منذ ساعة
منذ 3 ساعات
المشهد العربي منذ 19 ساعة
صحيفة عدن الغد منذ ساعتين
صحيفة عدن الغد منذ 13 ساعة
صحيفة عدن الغد منذ 6 ساعات
صحيفة عدن الغد منذ 42 دقيقة
صحيفة عدن الغد منذ 15 ساعة
نافذة اليمن منذ 4 ساعات
المصدر أون لاين منذ 14 ساعة