لا يكاد منزل في السعودية والخليج عموما يخلو من الفواحات العطرية والبخور؛ بكل ما تبثه من أبخرة بروائح الزهور والطيب وغيرها، في امتداد لثقافة ضاربة في الجذور، وهي «ثقافة الطيب»، وهوية اجتماعية تعبر عن الحرص على الذوق الرفيع.
وتجاوزت الفواحات وروائحها الحضور فقط في البيوت والمجالس والديوانيات، ووصلت إلى المجمعات التجارية، والمخيمات، وحتى أماكن العمل، ليتسلل عبرها «عبق» يرى من يقفون وراءه أنه يخلف حالة من الألفة والراحة والرائحة الذكية، دون أن ينتبه كثيرون منهم إلى أنه خلف هذه الروائح يكمن خطر لا يمكن إنكاره، سواء كانت تلك الفواحات العطرية كهربائية أو مجرد شموع معطرة.
ومكمن الخطر حسب عدد من الدراسات العلمية يكمن في أن هذه الفواحات تطلق مواد كيميائية دقيقة في الهواء، تُعرف بالمركبات العضوية المتطايرة (VOCs)، وهي مركبات لا تُرى بالعين المجردة، لكنها تدخل مباشرة إلى الجهاز التنفسي، خاصة في الأماكن المغلقة سيئة التهوية.
ووفقا لما أشارت إليه الدراسات الطبية واختصاصيون فإن التعرض المستمر لهذه المواد قد يؤدي إلى تأثيرات صحية سلبية طويلة الأمد.
ومثل الفواحات، فإن البخور، وعلى الرغم من رمزيته الثقافية، فإنه عند الاحتراق يُنتج جسيمات دقيقة (PM2.5) تشبه في تأثيرها دخان السجائر من حيث قدرتها على اختراق الرئتين والوصول إلى مجرى الدم، خاصة عند الاستخدام المكثف داخل المنازل المغلقة.
والمفارقة هنا أن ما يُربط بالراحة النفسية قد يتحول ـ مع الإفراط ـ إلى مصدر «تلوث داخلي صامت»، لا نشعر به فورا، لكنه يتراكم ببطء في أجسادنا.
ومن هنا جاءت النصيحة «تطيبوا والباب مفتوح» لتخفف من الآثار السلبية لأبخرة الفواحات، وكذلك للبخور.
الاستخدام الواعي
هذه المخاوف لا تعني التخلي عن طقوس معتادة، وعادات مجتمعية جميلة، بل تعني إعادة صياغتها بوعي، حيث نوه عدد من الاختصاصين، وكذلك جهات صحية إلى الحاجة للموازنة بين جمال الرائحة وسلامة الهواء، لأن ما لا يُرى في الهواء، قد يكون الأشد حضورا في أثره.
وبحسب اختصاصي الاقتصاد الصحي عاطف الأسود فإن الفواحات العطرية والبخور لم تعد مجرد عناصر رفاهية منزلية، بل تحولت ـ وفق دراسات طبية وتحذيرات رسمية ـ إلى أحد مصادر تلوث الهواء الداخلي.
هذا التحول في النظرة العلمية جاء بعد تراكم الأدلة التي تشير إلى أن هذه المنتجات تُطلق مركبات كيميائية وجسيمات دقيقة تؤثر مباشرة على الصحة، خاصة مع الاستخدام اليومي وفي الأماكن المغلقة.
ولفت إلى أن تقارير صادرة عن وكالة حماية البيئة الأمريكية (EPA) والجمعية الأمريكية للرئة، تشير إلى أن الفواحات ومعطرات الجو تُطلق مركبات عضوية متطايرة (VOCs)، وهي مواد كيميائية قد يصل تركيزها داخل المنازل إلى عدة أضعاف المستويات الخارجية (عادة بين 2 إلى 5 مرات أو أكثر)، خاصة في الأماكن المغلقة.
وترتبط هذه المركبات، وفقا للوكالة، بتهيج الجهاز التنفسي، والصداع والدوخة، وقد تؤثر على الكبد والكلى والجهاز العصبي، فيما يُصنف بعضها كمسرطن، أو يشتبه في ارتباطه بالسرطان.
وفي السياق ذاته، حذرت الجمعية الأمريكية للرئة من أن المنتجات العطرية قد تؤدي إلى تفاقم أعراض الربو، وتتسبب في ضيق التنفس، وتهيج الجهاز التنفسي.
تأثيرات عكسية
يكمل الأسود «على صعيد الدراسات الحديثة، أظهرت أبحاث نُشرت في مجلات علمية مثل Indoor Air (2022) وAtmosphere (2022) أن التعرض لانبعاثات الفواحات والزيوت العطرية قد يؤثر على الأداء الإدراكي وصحة القلب والرئتين، خاصة مع الاستخدام طويل المدى».
وأضاف «كما كشفت دراسة حديثة لجامعة بوردو أن الشمع العطري المذاب ـ even دون لهب ـ يمكن أن يطلق مركبات مثل التربينات، التي تتفاعل مع الأوزون داخل المنازل لتشكل جسيمات نانوية دقيقة قادرة على التغلغل عميقا في الجهاز التنفسي».
وتابع «في المقابل، أكدت هيئة الصحة الكندية أن هذه المركبات قد تكون موجودة حتى دون رائحة ملحوظة، وأن تأثيرها الصحي يعتمد على نوعها، وتركيزها، ومدة التعرض لها».
تحذيرات صحية
من جانبه، علق الدكتور تركي المطيري، اختصاصي الطب الباطني وأمراض القلب، أنه «وفقا إلى تحذير رسمي من الجمعية الأمريكية عن الفواحات العطرية، فإن الفواحات تطلق مركبات VOCs وجسيمات دقيقة تسبب تهيج الرئتين والسعال وضيق التنفس، كما أنها تفاقم الربو والانسداد الرئوي المزمن (COPD)، فضلا عن ارتفاع ضغط الدم وزيادة ضربات القلب».
وأكمل «بحسب دراسة 2022 (قلب ورئة) فإن الاستنشاق أكثر من ساعة يوميا ينتج تأثيرا سلبيا مباشرا، وعن دراسة RCT 2022 ذكر أن انبعاثات الفواحة (سواء زيت ليمون معطر أو زيت عنب غير معطر) تُسرع زمن الاستجابة، لكنها تضعف بشكل ملحوظ السيطرة على الاندفاع وحساسية الذاكرة، مما يؤدي إلى قرارات أكثر.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من صحيفة الوطن السعودية
