مع خنق حرب إيران لإمدادات الغاز الطبيعي، اضطرت دول في آسيا وأفريقيا إلى تقنين الوقود وتحمّل انقطاعات في التيار الكهربائي، بينما زاد الصراع مخاطر تعرض أوروبا لأزمة طاقة خلال فصل الشتاء المقبل.
لكن على بعد آلاف الأميال، في قلب مناطق النفط الصخري الأميركية، يتوافر الغاز بكميات كبيرة جداً إلى حد يضطر المنتجون أحياناً لدفع المال للمشترين للتخلص منه.
في حوض برميان الممتد عبر غرب تكساس ونيو مكسيكو، ساهمت شركات الحفر في جعل الولايات المتحدة أكبر منتج للنفط عالمياً، لكنها أغرقت المنطقة أيضاً بفائض من الغاز الطبيعي، المستخرج كمنتج ثانوي من الخام.
تخمة المعروض تهوي بأسعار غاز برميان فاقت وفرة الغاز في حوض برميان سعة خطوط الأنابيب المتاحة لنقله إلى المستهلكين أو مرافئ التصدير الساحلية، ما يجعل المنتجين غير قادرين على تصريف الإمدادات ولو مجاناً. فأسعار الغاز في المنطقة ليست رخيصة فحسب، بل حتى سلبية، بمعنى أن المنتجين باتوا هم من يدفعون للمستهلكين. ورغم أن هذه ليست المرة الأولى التي تهبط فيها الأسعار في المنطقة دون الصفر، إلا أنها بلغت اليوم أدنى مستوياتها التاريخية.
وينعكس هذا الفائض على السوق الأميركية ككل؛ إذ تراجعت العقود القياسية للغاز المتدنية أصلاً مقارنة بالأسعار العالمية، بنحو 10% منذ اندلاع الحرب في الشرق الأوسط.
يأتي ذلك في تناقض صارخ مع أوروبا؛ حيث ارتفعت العقود الآجلة بنحو 40%، ومع آسيا التي قفزت فيها بأكثر من 50%، وسط سباق محموم بين الدول لتأمين الوقود اللازم لتشغيل محطات الكهرباء وتدفئة المنازل.
الغاز الرخيص يدعم الاقتصاد الأميركي في زمن الحرب مع بدء تشغيل خطوط أنابيب جديدة هذا العام، يُتوقع ألا تدوم الأسعار السلبية للغاز في حوض برميان طويلاً. ومع ذلك، هي تكشف عن وفرة ضخمة تمنح الولايات المتحدة أكثر من مجرد حماية من صدمات الطاقة المرتبطة بالحرب، إذ توفر أيضاً زخماً اقتصادياً إضافياً.
فإمدادات الغاز الرخيصة، بوصفها عنصراً أساسياً في التصنيع ومورداً حيوياً لتلبية الطلب المتسارع على الكهرباء المدفوع بطفرة الذكاء الاصطناعي، يمنح الولايات المتحدة ميزة مقارنة بالدول التي تواجه نقصاً في الوقود.
قال كريس لوني، مدير استراتيجية السلع العالمية لدى "آر بي سي كابيتال ماركتس" (RBC Capital Markets)، إن "أسعار الغاز الأميركية لم تظلّ أدنى من المقاييس العالمية فحسب، بل بقيت أيضاً بمنأى إلى حد كبير عن التقلبات" التي تضرب أسواق الغاز العالمية الرئيسية في أوروبا وآسيا.
وأضاف "أمن الطاقة النسبي هذا يصب لمصلحة الصناعات الأميركية التي تعتمد على الغاز الطبيعي كمادة أولية أو مصدر حراري صناعي، فضلاً عن القطاعات الأكثر استهلاكاً للطاقة مثل الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات".
يواجه الأميركيون بالفعل فواتير كهرباء متصاعدة، لكن لولا تخمة الغاز الطبيعي، لكانت هذه التكاليف أعلى بكثير.
وفي حين تعرّض المستهلكون في الولايات المتحدة لضغوط تضخمية أوسع، شملت ارتفاع أسعار البنزين، مع تسبب الحرب الإيرانية في اضطراب سوق النفط، فإن الغاز الطبيعي الرخيص يخفف من حدة التأثير، إذ انخفضت أسعار خدمات الغاز للمرافق بنسبة 0.9% في تقرير مؤشر أسعار المستهلك لشهر مارس.
طفرة الغاز الصخري تعزز هيمنة أميركا دفعت الزيادة الهائلة في الإنتاج من الأحواض الصخرية، بما فيها حوض برميان، إنتاج الولايات المتحدة من النفط والغاز الطبيعي إلى مستويات قياسية غير مسبوقة. وشكل هذا الفائض ركيزة أساسية في مساعي الرئيس دونالد ترمب لتعزيز هيمنة الولايات المتحدة في قطاع الطاقة، عبر توفير حاجز يحمي بلاده من التقلبات العنيفة التي تفرضها الحروب على الأسواق.
صحيح أن أسعار الغاز انخفضت إلى ما دون الصفر من حين لآخر في حوض برميان منذ عام 2019، بعدما عجزت مشاريع خطوط الأنابيب عن مواكبة الطفرة الإنتاجية المتسارعة. لكن خلال العام الجاري، بلغت الأسعار السلبية مستويات غير مسبوقة.
وسجل الغاز في برميان مستوى قياسياً متدنياً عند سالب 9.60 دولار لكل مليون وحدة حرارية بريطانية في 24 أبريل، بينما جرى تداول العقود القياسية الأميركية مؤخراً بأقل من 3 دولارات.
في المقابل، تُتداول العقود الآجلة للغاز في أوروبا وآسيا عند مستويات تقارب ستة أضعاف تلك الأسعار.
وتنعكس هذه الأسعار المرتفعة مباشرة على التضخم العالمي، من خلال زيادة تكاليف الكهرباء والتدفئة والتصنيع. وتقدّر مجموعة "غولدمان ساكس" أن ارتفاع أسعار الغاز الطبيعي المسال عالمياً بنسبة 10% يضيف نحو 8 نقاط أساس إلى معدلات التضخم العالمية، ويضغط على النمو الاقتصادي.
من أزمة طاقة إلى أزمة غذاء قال بابلو غالانتي إسكوبار، رئيس قسم الغاز الطبيعي المسال لدى شركة تجارة السلع "فيتول" (Vitol)، إن شح الغاز أجبر بالفعل بعض منتجي الأسمدة على خفض الإنتاج.
وحذر خلال قمة "فاينانشال تايمز" العالمية للسلع التي عُقدت في سويسرا في وقت سابق من الشهر الجاري من أن ذلك ينذر بـ"تحويل أزمة الطاقة إلى أزمة غذاء".
أعلنت شركة "دوسلو" (Duslo)، أكبر منتج للأسمدة في سلوفاكيا، الشهر الماضي خفض إنتاج الأمونيا بعد الارتفاع الحاد في أسعار الغاز.
وفي الهند، بدأت شركات تصنيع الأسمدة، بما في ذلك "التعاونية الهندية لأسمدة المزارعين" (Indian Farmers Fertiliser Cooperative)، تقليص الإنتاج، بعدما توقفت إمدادات الغاز الطبيعي المسال القادمة من قطر، حيث يشكل مادة أولية رئيسية لهذه الصناعة.
الغاز الرخيص يمنح أميركا أفضلية في سباق الذكاء الاصطناعي لكن المشهد يبدو مختلفاً تماماً في الولايات المتحدة.
كتبت آنا وونغ، كبيرة خبراء الاقتصادي الأميركي لدى "بلومبرغ إيكونوميكس" في مذكرة بحثية، أن الفارق الكبير بين أسعار الغاز في أميركا وبقية العالم "قد يعني أن الاقتصاد الأميركي سيُظهر مرونة أكبر من المتوقع هذا العام". وأضافت أن "الغاز الطبيعي يمثل أهمية أكبر لقطاع التصنيع، خصوصاً في الصناعات الكيماوية والأسمدة وتوليد الكهرباء، مقارنة بالنفط الخام".
وتبرز شركات البتروكيماويات الأميركية، مثل "داو" (Dow Inc)، بين أكبر المستفيدين من الغاز الصناعي منخفض التكلفة، الذي يشكل مادة أولية رئيسية في صناعة الكيماويات.
وقالت كارين كارتر، الرئيسة التنفيذية للعمليات في شركة "داو" (Dow)، خلال مكالمة إعلان النتائج في 23 أبريل، إن "إمدادات المواد الأولية إلى آسيا وأوروبا مقيدة، ما يدفع الأسعار إلى الارتفاع عالمياً....يؤدي ذلك أيضاً إلى زيادة الإنتاج في الأميركتين، ويوفر لـ(داو) فرصة للاستحواذ على أعمال جديدة في أوروبا".
وفي الوقت.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من اقتصاد الشرق مع Bloomberg





