أيُّ عبقرية هذه التي تقف أمام شالة، فلا ترى مدينةً حفرت أسماءها في طبقات الزمن، وهي ترفع حجارتها من عمق الأرض كأنها شهادة ضد النسيان، ولا ترى الأسوار المرينية وهي تحرس ما بقيَ من هيبة دولة عبرَت من هنا، ولا ترى الصومعة، والأضرحة، والأبواب، والأقواس، واللقالق التي اتخذت من المكان عرشاً فوق آثار أزمنة غابرة؟ نعم، هي فقط عبقرية لا ترى إلا رُكناً صالحاً لطاولة، وممراً مناسباً للنادل، وإضاءة دافئة تصلح لصورة على مواقع التواصل؟ أيُّ ذوق هذا الذي يدخل إلى مقبرة تاريخية وفي يده مِتْرٌ تجاري، فيقيسُ المسافة بين الضريح والكرسي، وبين القوس الروماني وقائمة الطعام، ثم يبتسم مطمئناً لأن “التجربة” تبدو قابلة للبيع؟ هل احتاجت شالة إلى قرون من الصمت، وإلى ملوك وخرائب وصلوات وحروب وطيور مهاجرة، كي يأتي حاضرٌ شديدُ الأناقة ويُخبرها بأن قيمتها الحقيقية تبدأ عندما تقبلُ دورَ الديكور؟ وماذا يقول التاريخ حين يسمع من يشرح له، بكل برودة إدارية، أن الطاولة لا تهينه، وإنما “تثمِّنه”، وأن الفاتورة لا تطرده، وإنما “تُدمجه في التنمية”، وأن الزبون لا يجلس فوق ذاكرته، وإنما “يعيش تجربة تراثية أصيلة”؟ هنا لا يثورُ الحجر، فهو أرفع من الصراخ، لكنه يُحدق فينا بتلك السخرية القديمة التي لا تحتاج إلى صوت، كأنه يسألنا: ألهذا الحدِّ ضاقت مخيلتكم حتى لم تجدوا طريقة لحبِّ التراث إلا بإطعام الناس فوقه؟
“خُلْوةُ العِبَادِ” تُقَدِّمُ طَبَقَ اليَوْمِ
في شالة، لا يدخل الحاضر خفيفاً كما يدخل زائر محترم إلى بيت قديم. يدخل بكامل ثقته، يحمل خطاباً أنيقاً، ويضع فوق كتف التاريخ يداً باردة، ثم يقول له: “لا تقلق، سنثمِّنكَ”. وهذه الجملة وحدها تكفي كي ترتجف الحجارة. فحين يتحدث الخطاب الرسمي عن تثمين التراث، يعرف التراث أنه سيدفع الثمن من هيبته، ومن صمته، ومن ذلك الجلال الغامض الذي عاش قروناً من غير حاجة إلى قائمة طعام. شالة ليست حديقة جميلة تبحث عن زبون. شالة ذاكرة مركّبة: بقايا “سالا الرومانية”، الأسوار المرينية، الباب العظيم، الصومعة الصامتة، الأضرحة التي تحمل ظلال الدولة المرينية، الحمّامات القديمة، الأعمدة، الممرات، الحجارة التي عرفت أقدام الجنود والفقهاء والملوك والغرباء، واللقالق التي فهمت المكان أكثر مما فهمه بعض “أصحاب المشاريع”. كلُّ حجر هناك يملك سيرة، وكل قوس يحمل ندبة، وكل عشب ينبت بين الشقوق يعرف أن الزمن لا يحتاج إلى موسيقى خلفية كي يُصبح مؤثراً. ومع ذلك، يأتي الحاضر الذكي جدّاً، الحاضر الذي قرأ كتيّب التسويق أكثر مما قرأ التاريخ، ويقترح حلاً عبقرياً: مطعمٌ داخلَ الأثر. لا يقولُ: “نحنُ نضعُ الطاولات فوق ذاكرة جماعية”. يقول: “نحن نخلقُ تجربة”. لا يقول: “نحن نختبرُ حدود الوقاحة الثقافية”. يقول: “نحن نُنعش الموقع”، “نحن نقرّب التراث من الجمهور”؛ والجمهور، المسكين، يدخل أحياناً كي يرى الأثر، فيجد نفسه أمام أثرٍ يتعلّمُ خدمة الزبائن.
حينَ دخلَ النادلُ إلى التاريخِ
ماذا يقول التاريخ في هذه اللحظة؟ غالباً لا يصرخُ. التاريخ في شالة يملك كبرياء العجائز. يرفع حاجبَه الحجريّ، ينظر إلى الطاولات، إلى الكراسي، إلى الإنارة الدافئة، إلى النادل الذي يعبر بين شواهد الزمن كأنه يعبرُ ردهة فندق، ثم يهمسُ بسخرية سوداء: “عشتُ حروباً، ودولاً، وخرائب، وزلازل، ونسياناً طويلاً، وها أنا أواجه أخيراً طبقاً رئيسياً مع تحلية”.
الأسوار المرينية لا تحتاج إلى شرح. تقف هناك، وتعرف أن الخطر لا يأتي دائماً على هيئة غزو. أحياناً يأتي ببدلة أنيقة، يحمل دراسةَ جدوى، ويتحدث عن الجاذبية السياحية. الباب المريني، ذلك الباب الذي يفترض أن يقود إلى رهبة المكان، يجدُ نفسه اليوم مثل مدخل محتمل إلى تجربة “أصيلة”. الصومعة تنظرُ من علٍ، لا تغارُ من الأضواء الجديدة، إنما تسخرُ منها. فهي تعرف أن الضوء الذي يحتاج إلى إعلان لا يشبه ضوء التاريخ. أما الأضرحة، فتطرح سؤالاً أكثر قسوة: هل مات أصحابها كي يجلسَ فوق صمتهم زائرٌ يلتقط صورةً للعشاء؟
لا أحد يطردُ التاريخ من شالة. هذا عمل فظّ لا يليق.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من هسبريس
