من مصنع العالم إلى منافس.. العملاق الصيني يهدد الصناعة الأوروبية

طوال العقود الثلاثة الماضية، انتقلت الصين من قاعدة إنتاج منخفضة التكلفة تخدم الشركات الغربية إلى قوة صناعية وتكنولوجية تنافس أوروبا مباشرة في قطاعاتها الاستراتيجية، من السيارات الكهربائية إلى الطاقة والذكاء الاصطناعي والصناعات الدفاعية، وهذا التحول لم يكن تدريجياً، بل تسارع بشكل لافت، وأعاد رسم موازين القوة في الاقتصاد العالمي.

وتحول رهان أوروبا على الصين كـ«سوق واعد ومصنع منخفض التكلفة» تدريجياً إلى تحدٍ بنيوي، فالصين لم تكتفِ بدور المصنع، بل طوّرت نموذجاً يجمع بين التخطيط الصناعي المركزي، والدعم الحكومي الواسع، والاستثمار المكثف في الابتكار، ما جعلها قادرة على منافسة أوروبا داخل قطاعاتها الأساسية.

ووفق تقديرات أوروبية، تتراوح فجوة تكاليف الإنتاج بين الصين وأوروبا بين 30% و40% في المتوسط، وتصل إلى أكثر من 60% في بعض الصناعات المتقدمة، وهو فارق يضغط مباشرة على القدرة التنافسية للصناعة الأوروبية، خصوصاً في ألمانيا وفرنسا.

الركود التضخمي يعصف بالاقتصادات العالمية باستثناء الصين

من «صنع في الصين» إلى «ابتُكر في الصين»

لم يعد دور الصين مقتصراً على التصنيع منخفض القيمة، بل تحولت إلى قوة صناعية مبتكرة، حيث توسعت في قطاعات مثل السيارات الكهربائية، وأشباه الموصلات، والروبوتات، والطاقة المتجددة، وحتى الصناعات الدفاعية، وكذلك شركات مثل «بي واي دي» و«جيلي» التي غيرت خريطة سوق السيارات الكهربائية عالمياً، فيما رسّخت «هواوي» مكانتها في التكنولوجيا المتقدمة، وتمددت منصات التجارة الإلكترونية مثل «علي بابا» و«شي إن» و«تيمو» في الأسواق العالمية.

ويعكس هذا التحول انتقالاً من نموذج «التجميع والتصدير» إلى نموذج «الابتكار والإنتاج المحلي»، مدعوماً باستثمارات ضخمة في البحث والتطوير وتخطيط اقتصادي طويل الأمد.

الشراكات الغربية.. بوابة نقل التكنولوجيا

وبدأت مرحلة التحول مع سياسة الانفتاح أواخر السبعينيات، عندما فُتحت أبواب الصين أمام الاستثمارات الأجنبية، لكن بشروط صارمة، أهمها إنشاء مشاريع مشتركة بنسبة 50% مقابل 50% مع شركاء محليين، إلى جانب نقل التكنولوجيا وبناء المصانع داخل الصين.

بالنسبة لأوروبا، كانت هذه الشراكات فرصة للوصول إلى سوق تتجاوز مليار مستهلك وتخفيض تكاليف الإنتاج. لكن عملياً، تحولت إلى قناة لنقل المعرفة الصناعية والتقنية.

ومن خلال الهندسة العكسية واستيعاب التكنولوجيا الغربية، تمكنت الشركات الصينية من تطوير منتجاتها بسرعة، ثم منافسة الشركات الأوروبية نفسها. وفي قطاع السكك الحديدية، استفادت الصين من تقنيات «ألستوم» و«سيمنز» و«شينكانسن»، قبل أن تؤسس مجموعة (CRRC) التي أصبحت اليوم أكبر مصنع للقطارات في العالم.

خلال تجميع روبوتات داخل مركز بكين للابتكار في مجال الروبوتات الشبيهة بالبشر (X-Humanoid)، العاصمة الصينية بكين، 20 مارس 2026.

منظمة التجارة العالمية.. نقطة التحول الكبرى

كما شكّل انضمام الصين إلى منظمة التجارة العالمية عام 2001 نقطة انعطاف رئيسية، حيث توقعت أوروبا والولايات المتحدة أن يؤدي الانفتاح إلى تقارب اقتصادي تدريجي، ألا أن الصين استخدمت النظام التجاري العالمي لتعزيز صادراتها مع الحفاظ على نموذج اقتصادي تديره الدولة.

وأدى هذا المسار إلى توسع هائل في القدرات الصناعية الصينية، إلا أنه في المقابل انعكس على أوروبا بخسائر في بعض القطاعات.

وتشير تقديرات اقتصادية إلى أن انضمام الصين إلى المنظمة أسهم في فقدان فرنسا نحو 300 ألف وظيفة، جزء كبير منها في الصناعة. في المقابل، استفاد المستهلك الأوروبي من انخفاض الأسعار، لكن الصناعة الأوروبية بدأت تفقد تدريجياً قدرتها على المنافسة أمام إنتاج صيني أقل كلفة وأكثر مرونة.

أرقام تكشف التحول الصناعي الصيني

وتظهر البيانات البنيوية عمق التحول في الاقتصاد الصيني خلال عقدين فقط. ففي عام 2005، كانت الشركات الأجنبية تمثل نحو 58% من صادرات الصين، ما يعكس اعتماداً كبيراً على الاستثمار والتكنولوجيا الخارجية.

لكن بحلول عام 2024، انخفضت هذه النسبة إلى 22% فقط، فيما ارتفعت حصة الشركات الصينية المحلية إلى 58% من إجمالي الصادرات، إذ يعكس هذا التحول انتقال الصين من اقتصاد يعتمد على الشركات متعددة الجنسيات إلى اقتصاد تصدير تقوده شركات وطنية، ما يعني أنها لم تعد مجرد قاعدة إنتاج، بل أصبحت فاعلاً مستقلاً في الاقتصاد العالمي.

وتواجه أوروبا اليوم تحدياً استراتيجياً يتمثل في الحفاظ على قاعدتها الصناعية في ظل منافسة صينية تعتمد على كلفة أقل ودعم حكومي واسع. هذا الوضع دفع بعض دوائر القرار الأوروبية إلى المطالبة بفرض رسوم جمركية قد تصل إلى 30% على الواردات الصينية، في محاولة لإعادة التوازن.

كما تزايدت الدعوات لاعتماد سياسة صناعية أكثر صرامة، تشمل فرض شروط على دخول الشركات الصينية، مثل نقل التكنولوجيا والشراكات المحلية، على غرار ما استفادت منه الصين سابقاً.

وتزداد حساسية هذا الملف لأن السوق الأوروبية، التي تضم نحو 450 مليون مستهلك، أصبحت الوجهة الأساسية للفائض الصناعي الصيني، خاصة مع تشديد الولايات المتحدة سياساتها التجارية تجاه بكين.

الصين تتوصل إلى تسوية مع أوروبا بشأن رسوم السيارات الكهربائية

انقلاب في موازين القوة الصناعية

ولفت التقرير الى مفارقة كبيرة تكمن في أن بعض الشركات الأوروبية التي أسهمت في نقل التكنولوجيا إلى الصين أصبحت اليوم ترسل مهندسيها إلى المصانع الصينية لاكتساب الخبرات في مجالات مثل الروبوتات والتصنيع الذكي والطاقة.

كما أن الصين باتت لاعباً رئيسياً في قطاع الطاقة النووية، حيث تشغّل اليوم 61 مفاعلاً نووياً، بعد أن كانت تعتمد سابقاً على الخبرة الغربية، حيث يعكس هذا التحول واقعاً جديداً: الصين لم تعد مجرد «مصنع العالم»، بل أصبحت مركزاً صناعياً وتقنياً يعيد تعريف معايير الإنتاج العالمية من حيث الكلفة والسرعة والكفاءة.

وأكد التقرير أنه مع اتساع الفجوة التنافسية التي تتجاوز 60% في بعض القطاعات، تجد أوروبا نفسها أمام سؤال استراتيجي حاسم: هل تستطيع إعادة بناء نموذجها الصناعي قبل أن تتحول من قوة إنتاج عالمية إلى سوق تعتمد على منافسها الرئيسي؟


هذا المحتوى مقدم من إرم بزنس

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من إرم بزنس

منذ ساعة
منذ ساعتين
منذ 41 دقيقة
منذ ساعة
منذ 17 دقيقة
منذ ساعة
صحيفة الاقتصادية منذ 20 ساعة
اقتصاد الشرق مع Bloomberg منذ 21 دقيقة
اقتصاد الشرق مع Bloomberg منذ 3 ساعات
قناة CNBC عربية منذ 12 ساعة
اقتصاد الشرق مع Bloomberg منذ 14 ساعة
اقتصاد الشرق مع Bloomberg منذ 23 ساعة
قناة CNBC عربية منذ 10 ساعات
قناة CNBC عربية منذ 15 ساعة