فيروز لم تغنِّ عن المرور!
غنّت عن الانتظار الذي لا يُجاب عن أناس في المطر ومعهم شمسيات، وعن آخرين لا ينتظرهم أحد حتى في أيام الصحو!
جواد العناني نائب رئيس الوزراء الأسبق وقف في منتدى ثقافي، نظر إلى المواطن الأردني، وقال له: تقشّف!
بلغة الاقتصاديين: ترشيد، كفاءة، إعادة توزيع. لكن المعنى واحد أنت المشكلة!
وأنت يا من لا يكفيك راتبك حتى اليوم الخامس والعشرين يُطلب منك الآن أن "تقلّص"!
السؤال ليس: ماذا ستقلّص؟
السؤال: ماذا تبقّى أصلاً؟!
هنا لا تقشف!
التقشف قرار يملكه من لديه فائض. والأردني لا فائض لديه الأردني يُستهلَك!
يُستهلَك في مفرقه اليومي يقف خمساً وعشرين دقيقة على الرصيف في الشمس ينتظر باصاً لا يأتي، فلا يراه أحد. وجواد العناني يجلس في سيارته خمساً وعشرين دقيقة، فيرى "هدراً وطنياً"!
خمس وعشرون دقيقة في سيارة مكيّفة بدت أزمة تستحق المنتدى. مئة عام على الرصيف لم تُرَ!
يُستهلَك في راتبه راتبه يفشل في الوصول إلى نهاية الشهر، ثم يُتَّهم هو بالفشل!
يُستهلَك في خيار مستحيل بين دواء لطفله وقسط مدرسته، ثم يُقال له: أنت تسيء الاختيار!
هذا ليس سوء حظ. هذا تصميم!
تصميم يقول: أنتم تُنفقون أكثر مما يجب. ولا يقول: نحن نأخذ أكثر مما ينبغي!
تصميم يحوّل الخلل من بنية إلى سلوك من نظام إلى عادة من فشل في الإدارة إلى خطأ في الاستهلاك!
هذه هي الحيلة الكبرى وهي قديمة بقِدَم السلطة نفسها!
السيجارة مشكلة؟! الهاتف النقال عبء؟! المفرق نموذج للهدر الوطني؟!
حقاً؟!
دعنا نمسك الأرقام!
ست وعشرون هيئة مستقلة تمتص من الخزينة مليارين وستمائة مليون دينار سنوياً ثلثاها رواتب وامتيازات، وعجزها وحده ثمانمائة وعشرة ملايين! كانت سبعاً وخمسين هيئة، ثم "دُمجت" ولا أحد يعرف أين ذهب الفرق! وظائف تُخلق لترتيب الناس لا لترتيب العمل! عقود تُكتب بلغة تجعل الهدر قانونياً! علاوات تُوزَّع كولاء لا كاستحقاق!
وديوان المحاسبة وثّق سبعة عشر ألفاً ومئتين وستة وثمانين مخالفة في استخدام المركبات الحكومية في تسعين جهة في اثني عشر شهراً فقط!
هل توقفت مخالفة واحدة بعد البلاغ؟!
لا!
لأن البلاغ يُنتج واجهة! والمنتدى يُنتج غطاءً ثقافياً! والمواطن يُنتج الصمت!
والصمت هنا ليس جبناً الصمت هنا ضريبة من لا يملك منبراً!
جواد العناني ليس غبياً!
الرجل الذكي لا يسهو. هو يعرف أين تذهب الأموال. هو جزء من النظام الذي رسم هذه القواعد لعقود!
حين يقف ليطلب من المواطن أن "يتقشف" فهو لا يُقدّم نصيحة اقتصادية. هو يُقدّم تبريراً أخلاقياً للاستنزاف!
يقول لك: أنت المسؤول! أنت الذي تدخّن سيجارة إضافية! أنت الذي تشتري هاتفاً جديداً! أنت الذي تقف عند المفرق فتسبّب الازدحام!
وهو يعرف أن سيجارتك لا تساوي جزءاً من الألف من علاوة موظف في هيئة لم تُنتج شيئاً منذ سبع سنوات!
وثمة خلل واحد فقط في هذه المعادلة كلها:
أن من يملك الظل يكتب تعريف الشمس!
ومن يملك المكيّف يكتب تعريف الهدر!
ومن لم يقف على رصيف في حياته يكتب تعريف الانتظار!
لكن اختيار أين تُضاء الكاميرا هو السياسة نفسها! أضيئها.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من خبرني
