تحليل سياسي: حين تُستهدف العقول كيف يُفرَّغ المجتمع من مستقبله؟

القسم السياسي صحيفة عدن الغد

ما الذي يعنيه أن تُستهدف العقول قبل الأجساد؟ منذ العام 2015، لم تكن موجة الاغتيالات التي طالت مدنًا يمنية عدة، وفي مقدمتها عدن، مجرد سلسلة من الجرائم المتفرقة، بل بدت عند قراءتها في سياقها الزمني والوظيفي وكأنها نمط متكرر يستهدف فئات بعينها: أطباء، مهندسون، أكاديميون، دعاة، وضباط مهنيون. هذه ليست مصادفة إحصائية، بل مؤشر على مسار خطير يمكن وصفه بـ"تفريغ المجتمع من رأسماله البشري"، أي ضرب العقول التي تُدير، تُخطط، تُعالج، وتُعيد إنتاج الحياة العامة.

في الدول التي تمر بمرحلة صراع أو انتقال سياسي، يكون الصراع الحقيقي في جوهره صراعًا على من يملك القدرة على إدارة المستقبل. ومن هنا، فإن استهداف الكوادر المؤهلة يُعد من أخطر أدوات الحرب غير المعلنة. فبدلاً من المواجهة المباشرة مع الدولة أو المجتمع، يتم استهداف "العقل" الذي يمثل البنية التحتية غير المرئية لأي مشروع استقرار أو نهوض. الطبيب ليس مجرد فرد، بل منظومة علاج، والمهندس ليس وظيفة، بل قدرة على البناء، والأكاديمي ليس شخصًا، بل حامل معرفة ومُنتِج وعي. عندما يُغتال هؤلاء، فإن الخسارة لا تقف عند حدود الضحية، بل تمتد لتصيب المجتمع بكامله، وتُراكم فجوة يصعب ردمها مع مرور الوقت.

خلال السنوات الماضية، لوحظ أن معظم هذه الاغتيالات قُيّدت "ضد مجهول". هذا الوصف، في حد ذاته، يُنتج حالة مزدوجة من الغموض والخوف. الغموض يفتح الباب أمام تعدد الروايات، والخوف يُرسّخ شعورًا عامًا بأن لا أحد في مأمن. وعندما يتكرس هذا الشعور لدى النخب، فإن النتيجة الطبيعية هي الهجرة، الانكفاء، أو العزوف عن العمل العام. وهنا يتحقق الهدف الأخطر: إفراغ الساحة من الكفاءات دون الحاجة إلى استهداف الجميع، إذ يكفي خلق بيئة طاردة تجعل البقاء مخاطرة غير محسوبة.

سياسيًا، يمكن قراءة هذا النمط ضمن عدة احتمالات مترابطة. أولها، وجود أطراف مستفيدة من إضعاف مؤسسات الدولة عبر ضرب كوادرها، لأن غياب الكفاءات يعني تعطل الخدمات، وانهيار الثقة، وفتح المجال أمام قوى بديلة قد تكون غير رسمية أو ذات طابع مسلح لملء الفراغ. ثانيها، أن هذا الاستهداف قد يخدم أجندات تسعى لإعادة تشكيل البنية الاجتماعية، بحيث يتم إضعاف الطبقة المتعلمة القادرة على إنتاج خطاب نقدي أو وطني جامع، مقابل صعود قوى تعتمد على الولاءات الضيقة أو النفوذ القسري. ثالثها، أن الفوضى ذاتها قد تكون هدفًا، إذ إن استمرار حالة اللايقين تُبقي المجتمع في وضع دفاعي دائم، غير قادر على تنظيم نفسه أو المطالبة بإصلاحات حقيقية.

الأثر المباشر لهذا المسار يتجلى في تراجع جودة الخدمات الأساسية. حين يُغتال طبيب أو يُجبر على الهجرة، فإن ذلك ينعكس فورًا على المرضى الذين يفقدون فرصة العلاج. وحين يُستهدف مهندس، فإن مشاريع البنية التحتية تتأخر أو تُدار بكفاءة أقل. ومع تكرار هذه الخسائر، تتآكل القدرات المؤسسية للدولة تدريجيًا، ويصبح التعويض صعبًا في ظل بيئة تعليمية واقتصادية متدهورة. وبمرور الوقت، يتحول النقص في الكفاءات إلى "وضع طبيعي" يُدار عبر حلول مؤقتة، ما يكرّس دائرة العجز ويعمّقها.

اجتماعيًا، يؤدي استهداف العقول إلى خلل في توازن المجتمع. فالنخب المهنية عادة ما تلعب دورًا وسيطًا بين الدولة والمجتمع، وتُسهم في ضبط الإيقاع العام عبر تقديم المعرفة والخبرة. وعندما تتراجع هذه النخب، تبرز فراغات تُملأ غالبًا بخطابات شعبوية أو متطرفة، تفتقر إلى العمق العلمي وتستند إلى الانفعال أكثر من التحليل. هذا التحول لا يُضعف فقط جودة النقاش العام، بل يهدد النسيج الاجتماعي نفسه، إذ.....

لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه


هذا المحتوى مقدم من صحيفة عدن الغد

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من صحيفة عدن الغد

منذ ساعتين
منذ 46 دقيقة
منذ 3 ساعات
منذ ساعتين
منذ 4 ساعات
منذ ساعة
عدن تايم منذ 18 ساعة
صحيفة عدن الغد منذ 15 ساعة
صحيفة عدن الغد منذ ساعة
صحيفة عدن الغد منذ 20 ساعة
صحيفة عدن الغد منذ 5 ساعات
عدن تايم منذ 3 ساعات
موقع عدن الحدث منذ 8 ساعات
صحيفة 4 مايو منذ 17 ساعة