مع تراجع وتيرة المعارك منذ هدنة عام 2022، لا يزال اليمن يعيش واقعاً معقداً أقرب إلى اللاحرب واللاسلم، في مشهد يختزل أزمة ممتدة تهدد بالانفجار في أي لحظة، وسط تحذيرات أممية من أن الاستقرار الحالي ليس سوى هدنة مؤقتة تخفي وراءها صراعاً مفتوحاً.
وفي تقرير حديث صادر عن الأمم المتحدة، أكدت المنظمة أن اليمن يواجه واحدة من أعقد وأطول الأزمات عالمياً، حيث تتشابك العوامل السياسية والعسكرية والاقتصادية والإنسانية لتُنتج واقعاً بالغ الهشاشة بعد أكثر من عقد من الاضطرابات.
ويعود جذور هذا المشهد إلى فوضى عام 2011، التي أطاحت بالنظام السابق، لكنها فتحت الباب أمام مرحلة انتقالية سرعان ما انهارت، لتدخل البلاد منعطفاً خطيراً مع سيطرة مليشيا الحوثيين على صنعاء بين عامي 2014 و2015، وهو ما دفع الحكومة المعترف بها دولياً إلى المغادرة، قبل أن يتدخل تحالف بقيادة المملكة العربية السعودية عسكرياً في مارس 2015، لتندلع حرب شاملة.
ومنذ ذلك الحين، تشظت خريطة السيطرة في البلاد بين مناطق خاضعة للحوثيين في الشمال والغرب، وأخرى تحت إدارة الحكومة الشرعية، إلى جانب نفوذ متباين لقوى محلية، فيما شهد الجنوب توترات متصاعدة، خصوصاً مع تحركات المجلس الانتقالي الجنوبي، رغم تراجع نفوذه الميداني مطلع 2026 واستمرار التوترات السياسية والأمنية.
وبحسب التقرير، أسهمت الهدنة التي رعتها الأمم المتحدة في أبريل 2022 في خفض حدة القتال بشكل ملحوظ، إلا أنها لم تُترجم إلى اتفاق سلام شامل، حيث بقيت خطوط التماس مستقرة نسبياً، بينما تتواصل الحرب الاقتصادية التي تضرب معيشة اليمنيين، مع انهيار العملة وارتفاع الأسعار وتدهور الخدمات الأساسية.
ولم تتوقف المخاطر عند الداخل، إذ حذّر التقرير من تداعيات التصعيد الإقليمي، خاصة في البحر الأحمر، حيث أدت هجمات الحوثيين على السفن الدولية منذ أواخر 2023 إلى ردود عسكرية، شملت غارات نفذتها الولايات المتحدة وحلفاؤها، ما يعزز احتمالات عودة المواجهات الواسعة.
وعلى الصعيد الإنساني، رسم التقرير صورة قاتمة، مشيراً إلى أن نحو 19.5 مليون يمني بحاجة إلى مساعدات خلال 2025-2026، فيما يعاني 18.3 مليون شخص من انعدام الأمن الغذائي الحاد. كما يواجه أكثر من 2.2 مليون طفل دون الخامسة سوء تغذية حاد، في وقت لا تعمل فيه سوى 59% من المرافق الصحية بكامل طاقتها.
وتتفاقم الأزمة مع استمرار النزوح الواسع وتدمير سبل العيش بفعل الألغام والفيضانات والجفاف، لتتحول اليمن إلى واحدة من أسوأ الكوارث الإنسانية عالمياً، وفق توصيف الأمم المتحدة.
ورغم ضخامة الاحتياجات، كشف التقرير أن خطة الاستجابة الإنسانية لعام 2025 لم تحصل سوى على 25% من التمويل المطلوب، ما أجبر المنظمات على تقليص المساعدات الغذائية والخدمات الصحية وبرامج الحماية، في مؤشر خطير على تفاقم الوضع الإنساني.
وتواصل الأمم المتحدة لعب دور محوري عبر ثلاثة مسارات رئيسية: الوساطة السياسية، والاستجابة الإنسانية، ورصد انتهاكات حقوق الإنسان. ويقود جهود الوساطة المبعوث الأممي هانز غروندبيرغ، الذي يسعى لدفع الأطراف نحو وقف شامل لإطلاق النار وإطلاق عملية سياسية يقودها اليمنيون.
في المقابل، تواصل وكالات مثل برنامج الأغذية العالمي واليونيسف ومنظمة الصحة العالمية تقديم المساعدات الغذائية والصحية ودعم الخدمات الأساسية، رغم التحديات التمويلية الكبيرة.
ويخلص التقرير إلى أن أزمة اليمن تجاوزت كونها صراعاً مسلحاً، لتتحول إلى انهيار طويل الأمد في مؤسسات الدولة والاقتصاد والخدمات، مؤكداً أن تحقيق السلام الدائم لا يزال مرهوناً بإرادة الأطراف المحلية ودعم دولي مستمر، في وقت يبدو فيه الهدوء الحالي مجرد استراحة قصيرة في حرب لم تنتهِ بعد.
هذا المحتوى مقدم من نافذة اليمن
