أظهرت الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى و التطورات الأخيرة المرتبطة بهذه الحرب وحصار إيران، وما رافقها من تهديدات متجددة للملاحة الدولية بين الطرفين، أن أمن الخليج العربي لم يعد محصورًا داخل حدود دوله، ولا يمكن عزله عن محيطه الجغرافي الأوسع. فمع تصاعد التهديدات المرتبطة بمضيق هرمز، ولوّح الحوثيون مجددًا باستئناف عملياتهم في البحر الأحمر، وإذا ما أُغلق باب المندب بالتزامن مع مضيق هرمز، فإن العالم سيكون أمام تعطّل اثنين من أهم شرايين التجارة والطاقة في العالم في توقيت واحد، وهو سيناريو غير مسبوق في التاريخ الاقتصادي الحديث، ويستدعي إعادة تعريف جذري لمفهوم الأمن الخليجي والإقليمي حيث يمر عبر مضيق هرمز ما يقارب خمس تجارة النفط العالمية المنقولة بحرًا، فيما يمثل باب المندب أحد أهم الممرات الحيوية لحركة التجارة بين آسيا وأوروبا، وأي اضطراب متزامن في الممرين لن ينعكس فقط على أسعار الطاقة، بل سيمتد إلى سلاسل الإمداد العالمية، والتضخم، وحركة الأسواق، والتأمين البحري، وأمن الغذاء في دول عديدة، بما فيها دول المنطقة نفسها.
ما يحدث اليوم لم يعد أزمة عابرة مرتبطة بالحرب الحالية فقط، بل يعكس تحولًا هيكليًا في أمن الممرات البحرية العالمية، حيث أصبحت الممرات الممتدة من الخليج العربي إلى البحر الأحمر وخليج عدن جزءًا من معادلة ضغط جيوسياسي متصلة، وهو ما يدفع القوى الكبرى إلى إعادة التفكير في أمن التجارة والطاقة العالمية.
وعلى مدى عقود، أنفقت دول الخليج مليارات الدولارات لبناء اقتصادات قوية ومنظومات دفاعية متطورة، لكنها في المقابل تعاملت مع اليمن بمنطق الإدارة المؤقتة للأزمات، لا بمنطق الشراكة الاستراتيجية طويلة المدى. فمنذ تأسيس مجلس التعاون الخليجي جرى استبعاد اليمن من معادلات التكامل الاقتصادي الحقيقي، والتعامل معها بوصفها هامشًا جغرافيًا، أو عبئًا أمنيًا، أو ساحة نفوذ يمكن احتواء أزماتها دون معالجة جذورها البنيوية.
تقع المسؤولية الأولى عن بناء الدولة اليمنية على اليمنيين أنفسهم، غير أن الفاعلين الإقليميين ساهموا بدرجات متفاوتة في تكريس هشاشة الدولة، حين تعاملوا مع اليمن باعتبارها منطقة عازلة لا شريكًا استراتيجيًا. وقد تجاهلت هذه المقاربة حقيقة أن اليمن يمثل الامتداد الجغرافي الطبيعي للأمن الخليجي، وأن انهياره المستمر لا يمكن أن يبقى معزولًا عن تداعياته الإقليمية.
أدى ضعف التنمية، وغياب الاستثمار، والانقسام السياسي، والحروب المتكررة، إلى خلق فراغات أمنية واسعة داخل اليمن، ملأتها جماعات مسلحة وتنظيمات عابرة للدولة كا المليشيات الحوثية، وفتحت المجال أمام تدخلات إقليمية. وفي هذا السياق برز الحوثيون كأحد أخطر تجليات هذا الفراغ، حيث انتقل تهديدهم من الداخل اليمني إلى تهديد مباشر للملاحة الدولية في البحر الأحمر وخليج عدن.
والمفارقة أن اليمن كان يمكن أن يمثل أحد أهم الأصول الاستراتيجية لدول الخليج، لا أحد أبرز مصادر القلق. فاليمن تمتلك أكثر من ألفي كيلومتر من السواحل الممتدة على البحر الأحمر وخليج عدن وبحر العرب، إضافة إلى موقعها المشرف على باب المندب، وهو ما يجعلها مؤهلة لتكون بوابة استراتيجية جنوبية للتجارة والطاقة والاستثمارات الخليجية.
ومع تزايد المخاطر في مضيق هرمز، تبدو الحاجة أكثر إلحاحًا للتفكير في بدائل استراتيجية طويلة المدى، ومنها مشاريع خطوط أنابيب نفط وغاز مستقبلية عبر شرق اليمن نحو حضرموت والمهرة المطلتين على بحر العرب، بما يخفف الاعتماد على الممرات البحرية المهددة. وقد اتجهت بعض دول الخليج سابقًا إلى تطوير بدائل جزئية، مثل خط أنابيب شركة بترول أبوظبي الوطنية إلى ميناء.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من عدن تايم
