( ليس ردا على الفنان ولا انتقادا للأكاديمي )
إذا كان النقاش حول العقلية الزراعية أو "" الهركاوية "" كما يطلق عليها من قبل الحقيقة الإعلامية أو شبة السوسيولوجية ؛ قد كشف عن انزلاقين متوازيين اختزال ساخر من جهة، وتعقيد أكاديمي منفصل من جهة أخرى فإن الرهان اليوم لم يعد في المفاضلة بينهما، بل في إعادة توجيه أدوات كل طرف حتى تُسهم في الفهم بدل التشويه، وفي النقد بدل إعادة إنتاج الصور الجاهزة. فبالنسبة للفنانين، وخاصة الكوميديين، لا يتعلق الأمر بالتخلي عن السخرية، بل بالارتقاء بها. فالسخرية ليست مجرد إضحاك سريع، بل يمكن أن تكون أداة كشف عميقة، شرط أن تغيّر وجهتها: من استهداف الأفراد إلى مساءلة البُنى. حين تتحول العقلية الزراعية إلى مجرد لهجة أو هيئة أو سلوك نمطي، فإن العمل يفقد قيمته الفنية قبل أن يفقد بعده الأخلاقي. أما حين تُوظف السخرية لكشف السياسات، أو الخطابات التي تُنتج التهميش، أو التمثلات التي تُعيد ترتيب التراتبية بين المديني و القروي ، فإنها تستعيد قوتها النقدية.
الفنان، بهذا المعنى، مدعو إلى الاشتغال على التعقيد داخل الضحك: بناء شخصيات متعددة الأبعاد، قادرة على أن تكون موضوعًا للنقد وفاعلًا فيه في الآن نفسه، دون الوقوع في الإذلال الرمزي. فالفن الذي يحافظ على كرامة موضوعه، يربح جماليًا ونقديًا في آن. وفي المقابل، يُطرح على السوسيولوجيين تحدّ لا يقل أهمية: كيف يمكن إنتاج معرفة دقيقة دون أن تبقى حبيسة لغة مغلقة؟ إن المفاهيم، مهما بلغت دقتها، تفقد أثرها إذا لم تُترجم إلى أمثلة حية قابلة للتداول داخل الفضاء العمومي. فترك المجال للغة تقنية معزولة يفتح الباب أمام السخرية الاختزالية لملء الفراغ.
غير أن الانفتاح لا يعني التبسيط المُخل، بل يقتضي أيضًا جرأة في تسمية علاقات الهيمنة كما هي، دون الاحتماء بمفاهيم تلطّفها أو تُحيّدها. كما يستدعي توسيع مجال التحليل ليشمل ليس فقط ما يُنسب إلى العقلية الزراعية ، بل أيضًا السرديات النخبوية التي تُنتج هذه الصورة وتعيد تدويرها.
من هنا، يصبح الأفق المشترك بين الفنان والسوسيولوجي ممكنًا: سخرية تستند إلى معرفة، ومعرفة تنفتح على التعبير. ويمكن لهذا التلاقي أن يتجسد في أشكال متعددة من أعمال فنية ذات عمق بحثي، إلى كتابات تحليلية تستثمر الحس السردي بما يسمح بتحويل المفهوم من موضوع للوصم أو التجريد إلى مدخل لفهم أعمق للتحولات الاجتماعية.
وخلاصة القول، إن التحدي لا يكمن في اختيار الضحك أو الشرح، بل في تجاوز ثنائية الاختزال والتعقيد المعزول، نحو ممارسة نقدية تُعيد الاعتبار للإنسان بوصفه فاعلًا داخل شروط تاريخية، لا مجرد موضوع للسخرية أو للتحليل. هنا فقط يمكن للمعرفة والفن أن يلتقيا في وظيفة واحدة: تفكيك البديهيات وفتح أفق لإعادة بناء المعنى.
هذا المحتوى مقدم من جريدة كفى
