يمثل تحقيق التوازن بين المصداقية والمرونة معضلة أخرى. فالحكومات تحتاج حيزا للاستجابة للصدمات، غير أنه يتعين عليها أيضا طمأنة الأسواق والمواطنين بأن الدين سيظل قيد السيطرة. وقد يزداد الركود عمقا بسبب قواعد المالية العامة الصارمة مثل سقف الدين المفرط في الإلزام أو خفض الإنفاق وزيادة الضرائب بسرعة مفرطة. كذلك يمكن أن يؤدي تجاهل العجوزات إلى إثارة رد فعل مناهض قوي من الأسواق، على غرار ما حدث أثناء أزمة الدين في منطقة اليورو.
ويكمن التحدي في الالتزام القوي بالاستدامة دون تقييد السياسات. ويتطلب هذا ركائز موثوقة متوسطة الأجل للمالية العامة مع شروط للانسحاب في حالات الصدمات النادرة، إلى جانب خطط تتسم بالشفافية وتحدد أولويات الاستثمار مع حماية الفئات الضعيفة، وأطر مؤسسية تبني الثقة دون تقويض قدرة الحكومة على الاستجابة لحالات الهبوط الاقتصادي الحاد. وتحقيق هذا التوازن الصحيح لم يكن قط أكثر أهمية - أو صعوبة - مما هو عليه الآن.
أما المعضلة الثالثة فهي ما إذا كان ينبغي الاستثمار في الوقت الحالي أم الاحتفاظ بالموارد لوقت لاحق. فالاحتياجات الملحة مثل الأمن القومي والقدرة على الصمود في مواجهة الصدمات والتحول المناخي والشمول الاجتماعي والتنمية تتطلب توفير الموارد. ولكن كل دولار يُنفق اليوم يُقلص من هوامش الأمان لمواجهة الأزمة التالية. وفي عالم يشهد صدمات متكررة، تكون المفاضلة قاسية. فالبلدان التي تستنزف طاقة الاقتراض في أوقات الرخاء ستجد نفسها معرضة للمخاطر عند وقوع الركود القادم أو الكارثة القادمة.
ولا يتعلق الأمر بالتخطيط على أساس أفضل السيناريوهات، بل بتصميم إستراتيجيات للمالية العامة تكون قابلة للتطبيق حين تطرأ أحداث مفاجئة: فمن المفيد الاحتفاظ ببعض الموارد عندما يكون من المحتمل أن الأزمة القادمة وشيكة الحدوث.
ولكل قرار من قرارات الميزانية أطراف رابحة وخاسرة واضحة وتوقيت جلي وقد زاد تعقّد اعتبارات الاقتصاد السياسي التي تنطوي عليها تلك الخيارات. فمَن الذي أو ما الذي - يحظى بالأولوية؟ وأي ضرائب ستُموله، وأي برامج يجب أن تتراجع؟ تلك أسئلة لم يعد بالإمكان حجبها بديون جديدة، بل يجب الإجابة عنها بوضوح، وذلك ما ثبُت أنه تحد هائل.
تحديات بين الأجيال
ارتفاع الدين العام ليس مجرد شاغل اقتصادي كلي، بل هو مسألة تتعلق بالإنصاف عبر الأجيال. وعلى حد تعبير رجل الدولة إدموند بيرك الذي عاش في القرن الثامن عشر، "المجتمع شراكة ... بين الأحياء والأموات وبين الذين لم يولدوا بعد".
ويُتيح الدين تمويل المشاريع الداعمة للنمو والتخفيف من حدة الصدمات وتوزيع التكاليف بشكل أكثر تكافؤا عبر الفترات الزمنية. ولكن العجز المستمر يُموّل بالدين الذي يتعين على الجيل القادم من العمالة والممولين الضريبيين تحمّل عبء خدمته. وحين يكون الدين كبيرا وأسعار الفائدة في ارتفاع، يتدفق مزيد من الموارد العامة إلى حملة السندات أكثر مما يذهب إلى السلع العامة. ويستمر هذا التدفق ما دام الدين قائما، بل يتفاقم حال استمرار الاقتراض.
وتتسبب العوامل الديمغرافية في تفاقم التحدي بطريقتين. فمع تقدم الأعمار في المجتمعات، تزداد تكلفة توفير المعاشات التقاعدية والرعاية الصحية بوتيرة أسرع من زيادة الإيرادات الضريبية. وحيثما تنهار معدلات.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من صحيفة الاقتصادية
