د. خليل الشيخ
بدأ الشاعر حبيب الزيودي 1963-2012 مسيرته شابًا يحلم بالمطر، ولم يكن شيخًا حين أصدر ديوانه الأول: «الشيخ يحلم بالمطر». غير أنّ المطر في تجربته الشعرية المبكرة تحوّل إلى رمز للحياة والخصب والانبعاث، بما ينسجم مع سرديات المطر في الشعر العربي.
ولم يكن «الشيخ» الذي يحلم بالمطر فردًا بقدر ما كان مفردًا بصيغة الجمع، يعكس توق الناس إلى الخلاص من الجدب، سواء أكان ماديًا أم معنويًا. وهكذا غدا المطر علامة على التجدد، واستعادة المعنى، والعافية في مواجهة الوهن.
ظلامُ المدينةِ يغتالُ كلَّ عصافيرِ روحي
وكلُّ النوافذِ مغلقةٌ
والظلامُ يفِحُّ
فيفتحُ للعابثينَ جروحي
ويعكس هذا الاشتغال الرمزي البسيط قدرة حبيب المبكرة على تكثيف المعنى عبر صور محورية تجعل من العنوان مفتاحًا لفهم النص بأكمله؛ فالحلم بالمطر هو، في جوهره، حلم بالحياة ذاتها. والماء والنبع ظلّا مصدرَي الحياة والحب، في قصص العشق العذري وغير العذري:
قِفا على النبعِ لي في النبعِ حاجاتُ
حلّتْ على القلبِ من ذكراهُ علّاتُ
وفي مجمل تجربة حبيب الشعرية، وهو الذي رحل قبل أن يبلغ الخمسين، يبرز توازن واضح بين البوح والتكثيف؛ فلا يفرط في الزخرفة، ولا يقع في جفاف العبارة، بل يكتب وهو يعي أن القصيدة ومضة لا شرح. ومع ذلك، تتكرر ثيماته الأساسية بإصرار لافت: الحنين، والبيت، والإنسان البسيط، والحزن القادم من المجهول، والمرأة؛ وكأنها جرح واحد يُستعاد بأشكال متعددة.
وفي دواوين مثل «طواف المغني» و»منازل أهلي» يظهر تعلقه العميق بالحياة ودفء الانتماء؛ إذ يكتب كمن يعود إلى البيت حتى وهو لم يغادره:
كلما دندنَ العودُ ذكّرني بمنازلِ أهلي
وتمنحه لغته الفصحى اتساعًا ووضوحًا، فيما تأتي لهجته البدوية نبضًا قريبًا وحميمًا، من دون أن يرى بينهما تناقضًا؛ بل يوظفهما معًا للوصول إلى المعنى ذاته.
وفي «ناي الراعي» و»غيم على العالوك» تزداد التجربة الشعرية تكثيفًا، ويقل الكلام لصالح الصورة والإيحاء، وكأن الشاعر تعلّم أن يُحكم العبارة ليصيب العمق. ومع ذلك، تبقى ثيماته حاضرة، لكن بوعي أكثر نضجًا:
قطرتُها في كتابي خمرةٌ مُزجتْ
بريشتي وتعاويذي وأنفاسي
ولا يُقرأ الزيودي بوصفه شاعرًا يبحث عن الدهشة الشكلية، بل بوصفه شاعرًا يكتب ما يعرفه جيدًا:.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من صحيفة الدستور الأردنية
