ما رُشِّحَ من بنود الاتفاق الأميركي ـ الإيراني، إن صحت تلك التسريبات، لا يمكن النظر إليه باعتباره مجرد تفاهم ثنائي بين خصمين تقليديين، بل هو محاولة لإعادة تنظيم التوازن في إحدى أكثر مناطق العالم حساسية. فالشرق الأوسط، والخليج العربي على وجه الخصوص، دفعا خلال السنوات الأخيرة أثماناً باهظة من التوتر والشكوك الأمنية، التي صاحبت المنطقة في نصف القرن الماضي، حتى أصبحت المنطقة تعيش في الخمسة عقود الماضية فوق فوهة بركان سياسي وعسكري دائم.
من الصعب التفاؤل في هذه المرحلة بأن اتفاقاً شاملاً وشبه دائم يمكن الوصول إليه، إلا إذا تغيرت العقيدة السياسية الإيرانية التي بنت عليها إيران فكرتها في «تصدير الثورة» كناية عن «توسع إمبراطوري إيراني لم يعد يقبله العصر».
خلال حرب الأربعين يوماً كانت دول الخليج، أكثر من أي منطقة أخرى، عرضة للصواريخ والمسيرات الإيرانية. استهدفت منشآت حيوية ومرافق اقتصادية ومدناً ومطارات مدنية، الخليج كان في قلب النار، لا على هامشها. ومع ذلك، فإن ما يستحق التوقف عنده هو أن دول الخليج، رغم قدرتها العسكرية وتحالفاتها الدولية، لم تنزلق إلى ردود فعل متسرعة توسع دائرة الصراع. كان هناك إدراك سياسي عميق أن الحروب الحديثة، مهما ارتفعت فيها أصوات التعبئة، لا تحقق بالضرورة أهدافاً سياسية مستقرة.
ذلك الموقف الخليجي كان قراءة باردة للواقع. فالجغرافيا، كما يقول التاريخ دائماً، تفرض أحكامَها على الجميع. إيران والخليج محكومان بالتجاور، والذي لا يمكن إلغاؤه بالصواريخ أو المسيرات. وربما كانت الحرب الأخيرة قد دفعت بعض دوائر القرار في طهران إلى إعادة النظر في مفهوم القوة وحدودها. فامتلاك أدوات الإزعاج شيء، والقدرة على صناعة الاستقرار وترسيخ النفوذ شيء آخر مختلف تماماً.
من البنود التي رشحت إعلامياً الحديث عن حظر المنشآت النووية تحت الأرض، ومنع إيران من امتلاك السلاح النووي، والسماح للمفتشين الدوليين بالرقابة الصارمة، إضافة إلى تقييد التخصيب لسنوات طويلة قبل السماح بنسبة محدودة لا تتجاوز أربعة في المائة. تلك البنود تكشف عن أن العالم لم يعد مستعداً لقبول مشروع نووي غامض في منطقة متوترة. وعقيدة سياسية تعلن التوسع، فالأزمة لم تكن تقنية، بل أزمة ثقة سياسية عميقة.
الأهم من ذلك أن التجربة العملية خلال العقود الماضية أظهرت أن ثلاثية المشروع الإيراني، أي البرنامج النووي، والصواريخ بعيدة المدى، وإنشاء ورعاية الأذرع المسلحة في الدول العربية، لم تنتج استقراراً لإيران ولا لجوارها. بالعكس، قادت إلى توسيع.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من صحيفة الشرق الأوسط
