الجامعات ليست أبنية من الأسمنت والحجر، ولا قاعات تُلقى فيها المحاضرات فحسب، بل هي أوعية الحضارة، ومصانع العقول، ومنارات الأمم في ليل التحولات الكبرى. وإذا كانت الدول تُقاس في حاضرها بقوة اقتصادها، فإنها تُقاس في مستقبلها بقوة جامعاتها؛ إذ الجامعة ليست مؤسسة تعليمية فحسب، بل مشروع أمة يُصاغ فيه وعي الإنسان، وتُبنى فيه أدوات النهضة، وتُستثمر فيه ثروة العقول قبل ثروة الأرض.
ومن هنا، فإن الحديث عن مستقبل جامعة حفر الباطن ليس حديثًا عن هيكل إداري أو قرار تنظيمي عابر، بل هو حديثٌ عن وجهةٍ علمية وتنموية سترسم ملامح أجيال قادمة. وإذا طُرح الخيار بين ضمها إلى جامعة الإمام عبدالرحمن بن فيصل أو تحويلها إلى جامعة تطبيقية، فإن النظر المتأمل يُفضي إلى أن الضم إلى جامعة أكاديمية راسخة أوسع أثرًا، وأبقى نفعًا، وأعظم مردودًا في صناعة العلم والإنسان.
لقد أدرك العلماء منذ قرون أن العلم لا يزدهر إلا في البيئات العلمية الكبرى التي تتلاقح فيها الخبرات وتتراكم فيها المعارف، لذلك قال الإمام عبد الرحمن بن خلدون في مقدمته المشهورة:
«إن كثرة الشيوخ تُفيد صاحبها كثرة المعارف والاصطلاحات»، وهذه العبارة العميقة لا تقف عند حدود التعليم الفردي، بل تمتد إلى فلسفة المؤسسات؛ فكلما اتسعت البيئة العلمية، وعظمت خبراتها، وتنوعت مدارسها، كان أثرها في تكوين الطالب أعظم، وفي إنتاج المعرفة أرسخ.
ومن هذا المنطلق، فإن انضمام جامعة ناشئة أو متوسطة الإمكانات إلى جامعة ذات تراكم أكاديمي وبحثي كبير يفتح لها أبوابًا واسعة من القوة العلمية، والاعتماد الأكاديمي، والبحث المتقدم، والشراكات الدولية. فالجامعات الكبرى ليست مجرد أسماء؛ إنها تاريخٌ من الخبرة، وشبكاتٌ من العلاقات، ومنظوماتٌ من الجودة، ومراكز إشعاعٍ علميٍّ تتجاوز حدود القاعات الدراسية.
وقد قال الإمام أبو حامد الغزالي: «العلمُ لا يعطيك بعضه حتى تعطيه كُلَّك».
ومن تمام إعطاء العلم حقَّه أن يُطلب في بيئته الأكمل، وأن يُبنى في مؤسساته الأقوى، وأن يُتاح للطالب أن ينهل من الموارد والخبرات والبحوث ما يفتح له آفاق التميز لا مجرد الاكتفاء الوظيفي الضيق.
ولا ريب أن التعليم التطبيقي ذو أهمية عظيمة، فالأمم الحديثة لا تستغني عن المهارات الفنية والتقنية. غير أن تحويل الجامعة إلى «تطبيقية» قد يختزل رسالتها الواسعة في نطاق مهني محدود، بينما الجامعة الأكاديمية الكبرى تجمع.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من صحيفة الوطن السعودية
