ما إن يرحلُ إنسانٌ، حتى يخرجَ علينا سَدَنةُ الجحيم من شقوق الهواتف. لا يحرسون معبدًا، ولا يقفون على باب مقدّس، بل يحملون مفاتيح الجنّة والنار. ينبطحون خلف هواتفهم، ويترهّلون على صفحات التواصل الاجتماعى يبحثون بعيونهم المتلصصة عن خبر رحيل مفكّر أو فنان أو أديب، ليفتحوا معاجم التطاول والبذاءة والمراهقة الفكرية. هَلَك، نَفَق، غار من الحياة فى ستين... ثم يتبارون فى ثِقَل الظلّ والاستظراف السمج والتنمّر على المُشيّعين فى الجناز والمعزّين فى واجب العزاء. هذا كافر، وتلك فاجرة، وهذا لا تجوز عليه الرحمة، وتلك هاربة من القبر، وهذا غافَل ملكَ الموت وفرّ، هذه ثوبها مكشوف، وتلك شعرها دون غطاء؟! حتى العمر، الذى هو بيد الله وحده لا شريك له فيه، يسخرون منه! وكأن كبار السنّ يُطيلون أعمارهم بالاقتصاص من أعمار المتنمرين! أين تعلّم هؤلاء أن ملامح الوجوه وأعمار الخلق أمورٌ تجوز السخرية منها، مُتناسين أنهم يتجرّأون على الله تعالى ذاته؛ الذى سوّى أشكالنا، وقررّ أعمارنا؟!
أىُّ زمن هذا الذى تحوّل فيه الموتُ، وهو أقدسُ لحظة فى التجربة الإنسانية، إلى سيركٍ للتنمّر والبذاءة والاغتيال المعنوى؟! تصوّروا أن أكثر من ٣٠٠٠ تعليق على صورة عزاء، ليس من بينها: «الله يرحمه»، أو «إنّا لله وإنّا إليه راجعون»، ولا كلمة عزاء واحدة لأهل المتوفى قد تخفّف عن قلب مصدوع! أو على الأقل شىءٌ من خشوع أمام جلال الموت بالصمت الجميل! فقط شماتة، وسخرية، وتكفير، وتلصُّص على ملابس النساء! متى أصبح الوقوف أمام النعوش مادةٌ لمحاكم التفتيش الرقمية؟!
مَن هؤلاء؟! من أين جاءوا؟ هل هم حقًا أحفادُ الشعب المصرى المثقف الذى عرفته الخمسينيات والستينيات؟ شعب: طه حسين، وعبد الرحمن بدوى، وزكى نجيب محمود، ومصطفى مشرّفة، وسهير القلماوى، وأحمد شوقى، ونجيب محفوظ، وأم كلثوم، وعبد الوهاب؟ الشعب الذى كان يختلف بأدب، ويحزن بنُبل، ويواسى فى الشدائد، ويحترمُ مشاعر الآخرين، ويقف أمام الموت فى خشوع؟ أمعقول أن أولئك القناصة المترهلون خلف شاشات الهواتف هم أبناء أولئك العظماء الذين شكّلوا وجه مصر الحديث؟ بل هل هم أحفاد الجدّ المصرى القديم الذى صنع أول حضارات الأرض وأعظمها؟ كيف انحدرنا من مجتمعٍ نبيل يدرك أن لحظات الموت مقامٌ للمؤازرة، إلى حثالات ترى الموتَ فرصةً لإطلاق الأحقاد المكبوتة ومعاجم التدنى؟!.
مَن أولئك ومِن أين جاءوا الذين نصّبوا.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من صحيفة المصري اليوم
