قال السفير محمد حجازي، مساعد وزير الخارجية الأسبق، إنه في لحظة دولية تتسم بإعادة تشكيل موازين القوى العالمية، تكتسب القمة الفرنسية الأفريقية المنعقدة اليوم، في العاصمة الكينية نيروبي أهمية خاصة، ليس فقط باعتبارها منصة للحوار بين فرنسا والقارة الأفريقية، وإنما بوصفها مؤشراً على التحولات الجارية في طبيعة الشراكات الدولية داخل أفريقيا، وسط تنافس متزايد بين القوى الكبرى على النفوذ السياسي والاقتصادي والأمني في القارة السمراء.
وأوضح في تصريح لبوابة "دار الهلال"، أنه يأتي حضور الرئيس عبد الفتاح السيسي لهذه القمة بعد أقل من أربع وعشرين ساعة من استقباله للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في مصر، وافتتاحهما معاً المقر الجديد لـ جامعة سنجور في الإسكندرية، ليعكس بوضوح مستوى التنسيق السياسي والاستراتيجي بين القاهرة وباريس، ويدلل على أن العلاقات المصرية الفرنسية تجاوزت مرحلة التعاون الثنائي التقليدي إلى مستوى الشراكة متعددة الأبعاد المرتبطة بأفريقيا والتنمية الإقليمية.
وأضاف أن افتتاح المقر الجديد لجامعة سنجور يحمل دلالات تتجاوز البعد التعليمي، إذ يؤكد استمرار الرهان المصري الفرنسي على الاستثمار في بناء الإنسان الأفريقي وتأهيل الكوادر القادرة على قيادة مسارات التنمية والتحول المؤسسي في القارة، كما يعكس تمسك مصر بدورها التاريخي كجسر بين أفريقيا والعالمين العربي والأوروبي، وكمركز إقليمي للحوار والتدريب وبناء القدرات.
وأشار إلى أن قمة نيروبي تأتي في توقيت تواجه فيه أفريقيا تحديات مركبة تشمل أزمات الغذاء والطاقة، وتداعيات التغير المناخي، وتصاعد النزاعات المسلحة، فضلاً عن أعباء الديون وتباطؤ الاقتصاد العالمي، ومن ثم، فإن القمة تمثل اختباراً حقيقياً لقدرة أوروبا، وفرنسا تحديداً، على تقديم مقاربة جديدة للعلاقة مع أفريقيا تقوم على الشراكة المتوازنة واحترام الأولويات الأفريقية، بعيداً عن الإرث التقليدي الذي كثيراً ما أثار انتقادات داخل القارة.
وأضاف أن قيمة تعاملات فرنسا التجارية والاستثماريّة في أفريقيا تبلغ نحو 52 مليار دولار ويعمل بمشروعاتها نحو ٥٠٠ الف أفريقي، وقد اختارت القمة شعار الطريق للأمام وهو ما يعكس توجه الطرفين واستشرافهما لمستقبل افضل لأفريقيا واقتصادياتها في ظل ضغوط دولية بسبب الحروب الدائرة بداخلها وخارجها وضغوطها علي سلاسل القيمة الغذائية ومصادر الطاقة علاوة علي ما سيتم بحثه بشان النظام الاقتصادي الدولي وعدم العدالة وهي القضايا التي ستحملها فرنسا نيابة عن القارة لتطرحها خلال أعمال قمة إيفيان لمجموعة السبعة الكبري G7 التي ستعقد في يونيو المقبل.
وشدد على أنه في هذا السياق، يبرز الدور المصري باعتباره أحد أكثر الأدوار توازناً وواقعية في التعامل مع أفريقيا، حيث نجحت القاهرة خلال السنوات الأخيرة في تعزيز حضورها التنموي والسياسي داخل القارة، سواء عبر مشروعات البنية التحتية والربط الكهربائي، أو من خلال دعم جهود السلم والأمن، أو عبر الدفع نحو إصلاح المؤسسات الدولية بما يمنح أفريقيا تمثيلاً أكثر عدالة في النظام العالمي.
وأضاف أن المشاركة المصرية في هذه القمة تعكس إدراكاً عميقاً لأهمية التنسيق الثلاثي بين مصر وفرنسا والدول الأفريقية في مواجهة التحديات المشتركة، خاصة في مناطق الساحل والقرن الأفريقي والبحر الأحمر، وهي مناطق باتت تمثل محوراً رئيسياً للأمن الإقليمي والدولي.
ولفت إلى أن تزامن زيارة ماكرون للقاهرة مع انعقاد القمة الأفريقية في نيروبي يوجه رسالة سياسية مهمة مفادها أن مصر أصبحت شريكاً محورياً في أي مقاربة أوروبية جادة تجاه أفريقيا، وأن القاهرة لم تعد مجرد دولة إقليمية مؤثرة، بل باتت مركزاً لصياغة التفاهمات المتعلقة بأمن واستقرار وتنمية القارة.
وأضاف أنه وفي ظل عالم يتجه نحو التعددية القطبية، تبدو أفريقيا اليوم أكثر قدرة على فرض أولوياتها وشروطها في علاقاتها الدولية، بينما تسعى قوى كبرى، من بينها فرنسا، إلى إعادة بناء الثقة مع القارة، موضحا أنه هنا تحديداً، تبرز مصر كقوة توازن تمتلك رصيداً تاريخياً أفريقياً، وعلاقات ممتدة مع أوروبا، وقدرة متنامية على الربط بين متطلبات الأمن والتنمية والاستقرار.
هذا المحتوى مقدم من بوابة دار الهلال
