كيف تحوّلت إدارة ترامب إلى مستثمر حصص في الشركات الخاصة؟

تبنّت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب نهجاً غير مسبوق في التعامل مع كبرى الشركات الأميركية، عبر توسيع دور الحكومة الفيدرالية في الاقتصاد من خلال الاستحواذ على حصص مباشرة في شركات خاصة، في تحول يثير قلق قادة الأعمال ويعيد رسم العلاقة التقليدية بين واشنطن والقطاع الخاص.

وخلال الأشهر الأخيرة، دفعت الإدارة الأميركية باتجاه صفقات تمنح الحكومة حصص ملكية في شركات تعمل في قطاعات استراتيجية، إلى جانب تبني سياسات اقتصادية شعبوية تتراوح بين الدعوة إلى خفض فوائد بطاقات الائتمان والتدخل في أسواق الإسكان والرعاية الصحية.

وفق تقرير صحيفة «وول ستريت جورنال» فإن بعض كبار التنفيذيين باتوا يستعدون لاجتماعاتهم مع ترامب عبر وضع سيناريوهات مسبقة للرد في حال طلب الرئيس حصة حكومية في شركاتهم،فيما رحّبت شركات أخرى بتقاربها مع الإدارة الأميركية.

قمة ترامب وشي.. هل تكسر بكين حصار «هرمز» وتُخمد حرب إيران؟

وبحسب أشخاص مطلعين على المناقشات، طرح سكوت كيربي الرئيس التنفيذي لـ«يونايتد إيرلاينز» فكرة إنشاء «شركة طيران وطنية عملاقة» خلال اجتماعات مع مسؤولين كبار في البيت الأبيض.

وسَعت «يونايتد إيرلاينز» للحصول على موافقة تنظيمية للاندماج مع «أميركان إيرلاينز»، فيما ناقش مسؤولون في إدارة ترامب احتمال حصول الحكومة الأميركية على حصة في الكيان الجديد، الذي كان سيصبح من بين أكبر شركات الطيران في العالم، إلا أن ترامب أبدى لاحقاً تحفظه على الصفقة، بينما رفضت «أميركان إيرلاينز» المقترح، ما دفع «يونايتد» إلى التراجع عن خططها.

وفي سياق مشابه، أجرت الإدارة الأميركية مباحثات مع شركة «سبيريت إيرلاينز» بشأن تقديم قرض يصل إلى 500 مليون دولار مقابل الحصول على أدوات مالية تمنح الحكومة حصة كبيرة في الشركة منخفضة التكلفة.

ووفقاً لمصادر مطلعة، عرضت الشركة منح الحكومة 80% من الأسهم، بينما طالب ترامب برفع الحصة إلى 90%، إلا أن المفاوضات انهارت بعدما رفض حاملو السندات منح الحكومة الفيدرالية أولوية على حقوقهم، قبل أن تعلن «سبيريت إيرلاينز» وقف عملياتها لاحقاً.

حصص حكومية في شركات استراتيجية

كما أعلنت إدارة ترامب خلال الفترة الماضية حصولها على حصص مباشرة في ما لا يقل عن 10 شركات، من بينها حصة تبلغ 10% في «إنتل»، إضافة إلى ما يُعرف بـ«السهم الذهبي» في «يو إس ستيل»، والذي يمنح الحكومة صلاحيات للتأثير في قرارات الشركة.

وتقول الإدارة الأميركية إن هذه الخطوات تستهدف إعادة بناء القاعدة الصناعية الأميركية وتقليص الاعتماد على سلاسل التوريد الأجنبية، لاسيما في القطاعات المرتبطة بالأمن القومي.

كما استحوذت الحكومة الأميركية على حصص في شركات تعمل في قطاع المعادن النادرة، في إطار جهود لمواجهة هيمنة الصين على سوق المعادن الحيوية المستخدمة في الصناعات الدفاعية والتكنولوجية.

وتشير تقديرات الإدارة إلى أن الصين تسيطر على نحو 70% من الإنتاج العالمي للمعادن النادرة وقرابة 90% من عمليات المعالجة.

من جهته، دافع ترامب علناً عن هذا التوجه، قائلاً في مقابلة سابقة: عندما تحتاج الشركات إلى شيء ما، أعتقد أنه ينبغي أن نحصل على حصص فيها، قد يقول البعض إن ذلك لا يبدو أميركياً، لكنني أعتقد أنه أميركي جداً.

توجهات شعبوية تتجاوز الصناعة

امتدت سياسات الإدارة الأميركية إلى ملفات أخرى تتجاوز الصناعات الاستراتيجية، إذ تبنى ترامب مواقف أقرب إلى الخطاب الاقتصادي الشعبوي، بما يشمل الدعوة إلى وضع سقف لفوائد بطاقات الائتمان، ومنع المؤسسات الاستثمارية الكبرى من شراء المنازل، إضافة إلى الضغط على شركات التأمين الصحي وشركات الأدوية لخفض التكاليف.

وفي يناير الماضي، جدّد ترامب دعواته لخفض فوائد بطاقات الائتمان، بعدما انتقدته السيناتور الديمقراطية إليزابيث وارن بسبب ما وصفته بعدم تنفيذ وعوده الانتخابية، مضيفة أن النهج الجمهوري التقليدي القائم على اقتصاد السوق الحرة بدأ يفقد زخمه السياسي.

كما غيّرت الإدارة موقفها من ملف الإسكان بعد تراجع شعبية الجمهوريين في انتخابات نوفمبر، فبعد أن كانت المناقشات مع شركات التطوير العقاري تركز على تخفيف القيود التنظيمية، اتجهت الإدارة لاحقاً نحو إجراءات أكثر تدخلاً، من بينها حظر شراء المنازل من قبل مؤسسات استثمارية مثل «بلاكستون».

وفي قطاع الرعاية الصحية، اتهم ترامب شركات التأمين بالتسبب في ارتفاع التكاليف، داعياً إلى توفير بدائل منخفضة التكلفة والتوصل إلى اتفاقات لتحديد أسعار الأدوية، رغم عدم الكشف حتى الآن عن تفاصيل واضحة بشأن هذه الخطط.

استطلاع: تعامل ترامب مع التضخم والاقتصاد لا يرضي 58% من الأميركيين

تحوّل أوسع في السياسة الاقتصادية الأميركية

يرى محللون أن سياسات ترامب تعكس تحولاً أوسع في السياسة الاقتصادية الأميركية، يتجاوز الانقسام التقليدي بين الجمهوريين والديمقراطيين، ويعكس اتجاهاً متنامياً نحو تدخل الدولة في القطاعات الاستراتيجية.

وخلال إدارة الرئيس السابق جو بايدن، دفعت واشنطن باتجاه سياسات صناعية هدفت إلى إحياء التصنيع المحلي وتقليص الاعتماد على سلاسل التوريد الخارجية، وهو ما تُرجم في قانون «الرقائق والعلوم» الصادر عام 2022 لدعم صناعة أشباه الموصلات.

ورغم أن ترامب وصف القانون سابقاً بأنه «هبة فظيعة للشركات»، فإن إدارته استخدمت بعض موارده لاحقاً للتفاوض على حصص ملكية في شركات مختارة.

كما درست إدارة بايدن سابقاً إنشاء صندوق ثروة سيادي أميركي للاستثمار في شركات استراتيجية، إلا أن المشروع لم يتقدم بسبب عقبات تشريعية وتمويلية.

بدوره، قال جيك سوليفان، مستشار الأمن القومي السابق في إدارة بايدن، إن هناك توافقاً متزايداً بين الحزبين بشأن استخدام السياسات الصناعية كأداة لتعزيز الأمن القومي، حتى لو جاء ذلك على حساب مبادئ السوق الحرة،مشيراً إلى أن الولايات المتحدة تسلك مساراً جديداً، وعلى الحكومة أن تستخدم أدوات لا تستطيع الأسواق وحدها توفيرها لمعالجة نقاط الضعف الاستراتيجية.

مخاوف من توسع نفوذ السلطة التنفيذية

في المقابل، يحذر منتقدون من أن النهج الذي تتبعه إدارة ترامب قد يؤدي إلى تشويه الأسواق وتركيز نفوذ اقتصادي متزايد في يد السلطة التنفيذية.

وبرزت صفقة «إنتل» باعتبارها إحدى أبرز الأمثلة على هذا التوجه، بعدما دعا ترامب علناً إلى استقالة الرئيس التنفيذي للشركة ليب بو تان، على خلفية تقارير تحدثت عن علاقاته التجارية السابقة بالصين.

وبعد أيام من اجتماع تان مع ترامب في البيت الأبيض، أعلنت وزارة التجارة الأميركية استحواذ الحكومة على حصة تبلغ 10% في «إنتل» مقابل 8.9 مليار دولار.

وقال ترامب لاحقاً إن استثمار الحكومة الأميركية في الشركة حقق مكاسب تُقدّر بنحو 30 مليار دولار خلال 90 يوماً، من دون أن توضح الإدارة كيفية استخدام الأرباح أو العوائد الناتجة عن هذه الحصص.

وأكد التقرير ان أوساط الأعمال ترى أن هذه السياسات تمثل تحولاً جذرياً في فلسفة الحزب الجمهوري الاقتصادية، وتؤسس لمرحلة جديدة يصبح فيها تدخل الدولة في الشركات الخاصة جزءاً أساسياً من أدوات السياسة الاقتصادية الأميركية.


هذا المحتوى مقدم من إرم بزنس

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من إرم بزنس

منذ 7 ساعات
منذ ساعتين
منذ 7 ساعات
منذ 8 ساعات
منذ 6 ساعات
منذ 6 ساعات
قناة CNBC عربية منذ 4 ساعات
صحيفة الاقتصادية منذ 7 ساعات
اقتصاد الشرق مع Bloomberg منذ 12 ساعة
اقتصاد الشرق مع Bloomberg منذ 3 ساعات
اقتصاد الشرق مع Bloomberg منذ 4 ساعات
صحيفة الاقتصادية منذ 7 ساعات
صحيفة الاقتصادية منذ 8 ساعات
قناة CNBC عربية منذ 8 ساعات