تحولات الطاقة لم تعد مدفوعة فقط بأهداف المناخ وخفض الانبعاثات، بل أصبحت مرتبطة أيضاً بأمن الإمدادات والاستقرار الجيوسياسي.. ومع تصاعد التوترات في الشرق الأوسط ومخاطر اضطراب طرق الطاقة العالمية، يتسارع التوجه نحو البدائل النظيفة كخيار استراتيجي لا بيئي فقط.. التفاصيل في لمزيد من الأخبار والتحليلات الاقتصادية تابعوا

على مدار العقدين الأخيرين، عَلت الأصوات الداعية إلى تسريع التحول الأخضر وتوسيع الاستثمار العالمي في تقنيات الطاقة النظيفة، من منطلق الحفاظ على البيئة ومكافحة التغير المناخي وتحقيق الهدف العالمي الرامي إلى بلوغ صافي صفر انبعاثات كربونية. غير أن تلك الدعوات منذ بداية الحرب الراهنة في الشرق الأوسط اتخذت منحنى جديد، حيث برزت أهمية تحول الطاقة كأداة للتخفيف من الآثار السلبية الناجمة عن اضطرابات سلاسل إمدادات الطاقة جراء إغلاق «مضيق هرمز».

جدير بالذكر أن تداعيات حرب إيران شكلت سابع صدمة كبرى في أسعار الوقود الأحفوري منذ سبعينيات القرن الماضي، وكما هو معتاد عندما تحدث أزمة جيوسياسية، فإن ذلك يستتبعه ارتفاع حاد في أسعار النفط الخام، مما ينعكس بدوره على تكاليف الإنتاج والنقل والزراعة، ومن ثم تفاقم التضخم عبر مختلف قطاعات الاقتصاد. بيد أن الحرب هذه المرة لم تخلق مجرد صدمة جديدة في أسواق الطاقة، بل شكلت نقطة تحول عميقة في موازين القوة العالمية.

الصناديق السيادية الخليجية تقود التحول في التمويل الأخضر العالمي

فبينما انشغلت كثير من الدول بارتفاع أسعار النفط وتقلبات الإمدادات، وتبني سياسات قصيرة المدى تستهدف من خلالها التخفيف من أثر الصدمة على مواطنيها، كانت الصين تعزز موقعها كقوة مهيمنة في قطاع الطاقة المتجددة، مع تنامي الإقبال العالمي على تقنيات الطاقة النظيفة والمتجددة التي تهيمن عليها الشركات الصينية، بفعل المخاوف من اضطراب إمدادات الطاقة التقليدية منذ بداية الحرب في 28 فبراير الماضي.

وعلى صعيد منطقة الشرق الأوسط، تواصل دولة الإمارات العربية المتحدة، جهودها الحثيثة نحو تسريع استثماراتها في الطاقة المتجددة ضمن خطط تنويع الاقتصاد وخفض الانبعاثات؛ حيث تعمل الدولة على تطوير أحد أكبر مشاريع الطاقة الشمسية المدمجة مع التخزين على مستوى العالم، والمتوقع تشغيله في 2027. فضلاً عن جهود شركة أبوظبي لطاقة المستقبل «مصدر» و«كهرباء ومياه الإمارات» لتطوير مشروع ضخم يجمع بين الطاقة الشمسية والتخزين بسعة 5.2 غيغاواط و19 غيغاواط/ساعة، والذي من شأنه أن يوفر طاقة نظيفة مستمرة على مدار الساعة.

وبصفة عامة، فقد تزامن مع بداية الحرب انطلاق الدعوات المطالبة بتسريع مسار التحول الأخضر في الوقت الراهن من منطلق «الفرصة البديلة»، لتعزيز أمن الطاقة العالمي وتحصينه ضد أي صدمات جيوسياسية طارئة، لا تقتصر تداعياتها فقط على سلاسل إمدادات الطاقة، بل تمس بدرجة كبيرة قدرة الاقتصادات الكلية على الصمود والاستجابة لمطالب شعوبها الأساسية. إذ بات يُنظر إلى مصادر الطاقة النظيفة المحلية باعتبارها الحل الاستراتيجي طويل الأجل لحماية الاقتصادات من تقلبات الأسواق العالمية للطاقة التقليدية.

ويبدو أن لهذا الرأي وجاهته، فمن جهة يبرز بشكل جلي دور الطاقة المتجددة كأداة لإدارة التضخم استناداً إلى منطق اقتصادي، وليس مجرد توجه أيديولوجي. إذ تتمثل جُلّ التكاليف المتعلقة بإنتاج الكهرباء من محطات الطاقة الشمسية وطاقة الرياح في مرحلة البناء، بينما تصبح التكاليف التشغيلية لاحقاً شبه منعدمة، وهو ما يعني في حقيقة الأمر غياب المخاطر المرتبطة باضطرابات سلاسل الإمداد العالمية، بما يعزز استقرار الأسعار على المدى الطويل.

ومن جهة أخرى، فقد كشفت الحرب أن التحول الأخضر لم يعد خياراً نظرياً، بل ضرورة تشغيلية عاجلة، وذلك في سياق الدور الذي تضطلع به الطاقة المتجددة في تعزيز «السيادة الطاقية» للدول، إذ يصعب استخدامها كسلاح جيوسياسي مقارنة بأنظمة الطاقة التقليدية.

«مياه وكهرباء الإمارات» و«مصدر» توقعان اتفاقية للتوسع بالطاقة المتجددة

لكن على الجانب الآخر، قد تكون التوترات الجيوسياسية سبباً في إبطاء مسار التحول الأخضر، إذ ربما تدفع الصدمات المتكررة في أسعار الطاقة إلى تعطيل خطط البنوك المركزية الرامية إلى خفض أسعار الفائدة، في ظل الارتفاع المستمر في معدلات التضخم، ما قد يضغط على اقتصادات بعض الدول على النحو الذي يعيق قدرتها على البدء في تمويل مشروعات جديدة للطاقة المتجددة.

كذلك، إذا استمرت الاختناقات في مضيق هرمز لفترة طويلة، فإن ذلك من شأنه أن يخلق صعوبات كبرى أمام نقل المعادن الأساسية اللازمة لصناعة تقنيات الطاقة المتجددة، كالألومنيوم المستخدم في الألواح الشمسية على سبيل المثال، ما قد ينتج عنه اضطرار الدول إلى تقليص الإنتاج في بعض منشآت الطاقة المتجددة، وبالتالي إبطاء وتيرة بناء القدرات الجديدة للطاقة النظيفة عالمياً.

وإجمالاً، يمكن القول إن حرب إيران كشفت عن تحوُّل عميق في بنية نظام الطاقة العالمي؛ إذ لم يَعُد التحدي مقتصراً على مجرد الانتقال إلى مصادر الطاقة النظيفة، بل يمتد ليشمل كيفية إدارة هذا الانتقال في ظل توازنات جيوسياسية جديدة، بيد أن مسار تسريع التحول الأخضر في الوقت الحالي يتوقف على مدى قوة الصراع وحدته، إضافة إلى السياسات المتبعة واستراتيجيات تأمين الموارد من جانب الحكومات، فيما تبقى القدرة على تأمين المعادن الحيوية وتعزيز الاقتصاد الدائري عاملَين حاسمَين في تحديد وتيرة ذلك التحوُّل.


هذا المحتوى مقدم من إرم بزنس

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من إرم بزنس

منذ 5 ساعات
منذ 33 دقيقة
منذ 27 دقيقة
منذ 6 ساعات
منذ 12 ساعة
منذ 50 دقيقة
اقتصاد الشرق مع Bloomberg منذ 16 ساعة
صحيفة الاقتصادية منذ 12 ساعة
صحيفة الاقتصادية منذ 10 ساعات
اقتصاد الشرق مع Bloomberg منذ 11 ساعة
اقتصاد الشرق مع Bloomberg منذ 25 دقيقة
اقتصاد الشرق مع Bloomberg منذ 12 ساعة
صحيفة الاقتصادية منذ 11 ساعة
اقتصاد الشرق مع Bloomberg منذ 13 دقيقة