من الخليج العربي إلى القرن الإفريقي، ابحث معي عن شبر واحد لا تمر عبره بصمة العسكرية المصرية العريقة (لن تجد أبدا).
في لحظات كثيرة من تاريخ المنطقة، كانت بعض الصور العابرة تحمل داخلها رسائل استراتيجية أكبر كثيرا من تفاصيلها الظاهرة، وحين ظهرت المفرزة الجوية المصرية في دولة الإمارات العربية المتحدة بحضور الرئيس عبد الفتاح السيسي، أو اصطفاف القوات المصرية المشاركة في حفظ الأمن بالصومال، لم يكن المشهد أبدا مجرد اصطفاف عسكري بروتوكولي أو استعراض رمزي لقوة صديقة في دول شقيقة.
بل كان تجليا عميقا لحقيقة راسخة عمرها عشرات السنين، وهي أن العسكرية المصرية ليست مجرد مؤسسة وطنية تؤمن حدود الدولة المصرية فقط، بل هي أحد أعمدة التوازن والاستقرار وإعادة بناء الجيوش الوطنية في المنطقة العربية والقارة الإفريقية بأسرها.
ومن يتابع خرائط الانتشار والتأثير العسكري المصري، يكتشف بسهولة أن السؤال الحقيقي لم يعد أين تتواجد العسكرية المصرية؟ بل أين لا تتواجد بصمتها وتأثيرها وعقيدتها وخبراتها؟
فحين نبحث في الخليج العربي، نجد التدريب والتنسيق والتمارين المشتركة والتعاون الدفاعي ونقل الخبرات، وحين نذهب إلى البحر الأحمر نجد الحضور البحري والاستخباراتي والتأمين الاستراتيجي للممرات الحيوية، وحين نتجه إلى القرن الإفريقي نجد الوجود السياسي والعسكري والتدريبي والتقني الممتد من الصومال إلى جيبوتي وإلي عمق دول حوض النيل، وحين نتحرك غربا نحو الساحل والصحراء، نجد الضباط والخبراء المصريين وبرامج التأهيل والتدريب ومكافحة الإرهاب وتأمين الحدود.
الحقيقة التي لا ينتبه إليها كثيرون، أن العسكرية المصرية لا تتحرك فقط بمنطق القواعد والقوات، بل بمنطق صناعة البيئة الأمنية الإقليمية نفسها، وهنا تكمن عبقرية المدرسة المصرية، فالقوة العسكرية المصرية عبر تاريخها الطويل لم تكن قائمة على الاحتلال أو الهيمنة أو تصدير الفوضي، بل على بناء الجيوش الوطنية وحماية مفهوم الدولة الوطنية نفسها.
ولهذا لا يمكن قراءة أي حضور مصري عسكري في الخليج أو إفريقيا بمعزل عن فلسفة ممتدة منذ عشرات السنين، فمصر التي تمتلك أقدم جيش نظامي معروف في التاريخ الإنساني، تدرك جيدا أن الأمن لا يبدأ من الحدود السياسية فقط، بل يبدأ من دوائر النفوذ والتأثير وخلق التوازنات ومنع انهيار الدول المحيطة، ولذلك كانت القاهرة دائما تعتبر أن استقرار الخليج جزء من الأمن القومي المصري، وأن استقرار البحر الأحمر جزء من الأمن القومي المصري، وأن استقرار القرن الإفريقي جزء من الأمن القومي المصري، وأن حماية الجيوش الوطنية العربية والإفريقية من التفكك والانهيار مسألة وجودية وليست ترفا سياسيا.
وعندما نتحدث عن العسكرية المصرية فنحن لا نتحدث فقط عن قوات تمتلك واحدة من أكبر القدرات العسكرية في الشرق الأوسط وإفريقيا - وفق تصنيفات المؤسسات الدولية المتخصصة - بل نتحدث عن مدرسة كاملة في الانضباط والعقيدة والتخطيط والتأهيل والتدريب.
القوات المسلحة المصرية تضم مئات الآلاف من العناصر العاملة والاحتياطية، وتمتلك تنوعا ضخما في مصادر التسليح، بداية من الطائرات متعددة المهام والقدرات الجوية الحديثة، وصولا إلي حاملات المروحيات والغواصات ومنظومات الدفاع الجوي المتطورة، بجانب قاعدة صناعية عسكرية تتوسع بصورة متسارعة خلال السنوات الأخيرة.
لكن التأثير الحقيقي للعسكرية المصرية لا يقاس فقط بعدد الطائرات والقطع البحرية والدبابات، بل يقاس بعدد الدول التي أعادت بناء جزء من مؤسساتها العسكرية على الخبرة المصرية، وهنا تظهر القوة الناعمة الصلبة لمصر، فهناك عشرات الآلاف من الضباط العرب والأفارقة الذين تخرجوا في الكليات والمعاهد العسكرية المصرية على مدار العقود الماضية، بعضهم اصبح قادة جيوش، وبعضهم تولى مناصب سيادية رفيعة، وبعضهم شارك في تأسيس عقائد عسكرية وطنية داخل بلاده مستندا إلي ما تعلمه داخل المؤسسات العسكرية المصرية.
هذه النقطة تحديدا شديدة الأهمية، لأن العقيدة العسكرية ليست مجرد مناهج تدريبية، بل منظومة فكرية كاملة تنتقل عبر الأجيال، وحين يدرس ضابط إفريقي أو عربي في مصر، فهو لا يتعلم فقط فنون القتال، بل يتشبع بمفهوم الدولة الوطنية والانضباط المؤسسي واحترام مركزية الجيوش النظامية ورفض الميليشيات والفوضى المسلحة، ومن هنا يمكن فهم لماذا بقيت المؤسسة العسكرية المصرية لعقود طويلة واحدة من أكثر المؤسسات تماسكا واستقرارا في المنطقة، ولماذا تحاول عشرات الدول الاستفادة من النموذج المصري في إعادة بناء مؤسساتها الدفاعية.
وإذا تأملنا المشهد الإفريقي تحديدا،.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من موقع مبتدا
