فرح عطيات عمان أثارت مسودة مشروع قانون الإدارة المحلية نقاشاً واسعاً بين مختصين وخبراء في الشأن البلدي، مع تباين القراءات حول قدرتها على إحداث تحول فعلي في بنية الإدارة المحلية.
وتتراوح القراءات بين من ينظر إليها كخطوة متقدمة نحو تحديث العمل البلدي وتعزيز الحوكمة والمشاركة المجتمعية، ومن يعتبر أن المشروع ما يزال يتحرك ضمن حدود المركزية التقليدية، دون منح الإدارات المحلية استقلالاً كافياً في القرار والتمويل.
وتقاطعت آراء المختصين عند اعتبار أن المشروع يحمل توجهاً لإعادة تنظيم العلاقة بين المجالس المنتخبة والإدارة التنفيذية، وتوسيع أدوار البلديات لتشمل ملفات التنمية والاستثمار والتخطيط الحضري، إلى جانب تعزيز أدوات الرقابة والإفصاح المالي والإداري.
كما برزت آراء أخرى تعتبر أن استحداث موقع المدير التنفيذي وتوسيع مفهوم التخطيط المحلي يعكسان محاولة لبناء نموذج أكثر مؤسسية في إدارة البلديات.
في المقابل، حضرت تساؤلات مرتبطة باستمرار هيمنة السلطة التنفيذية على مفاصل رئيسية في الإدارة المحلية، سواء من خلال صلاحيات حل المجالس، أو طبيعة تشكيل مجالس المحافظات، أو آليات التمويل المرتبطة بقرارات حكومية، في وقت أثيرت فيه مخاوف من بقاء التداخل قائماً بين الأدوار التنفيذية والرقابية، بما قد يحد من قدرة المجالس المحلية على ممارسة دورها الرقابي بصورة مستقلة وفاعلة.
وذهبت طروحات مختصين لـ"الغد" إلى أن نجاح المشروع لن يتوقف عند إقرار النصوص القانونية، بل يرتبط بمدى قدرة الدولة على توفير تمويل مستقر للإدارات المحلية، وبناء كفاءات إدارية قادرة على إدارة التحول المطلوب، إلى جانب تطوير أنظمة تنفيذية تضمن وضوح الصلاحيات وتعزز المشاركة الشعبية والمساءلة المحلية.
الحفاظ على المسار الديمقراطي
وحول أبرز الإيجابيات التي أوردتها مسودة القانون في رأي الخبير بالشأن البلدي د. أسامة العزام، أنها حافظت على "المسار الديمقراطي" الراسخ عبر الإبقاء على الانتخاب المباشر والسري لرئيس المجلس البلدي وأعضائه، ليكونوا الممثلين "الشرعيين" لإرادة المواطنين، واضعي السياسات والإستراتيجيات، والجهة الأصيلة في اتخاذ القرارات الرقابية.
كما وأرسى القانون، بحسبه، مبادئ "المساءلة" وحدّد آلية تطبيقها، من خلال "إلزام" الإدارة التنفيذية بنظام تقارير دورية ومؤسسية.
وشدد العزام على أن المسودة أحدثت ما أسماه "طفرة تشريعية" في مجال الشفافية والإفصاح العام، إذ ألزمت البلديات بنشر تقارير أدائها المالي والإداري بصورة دورية، وإتاحتها للجمهور عبر مواقع التواصل الاجتماعي والمواقع الإلكترونية الرسمية.
وأسهم استحداث منصب المدير التنفيذي بصلاحيات آمر الصرف في "حماية" المؤسسة البلدية من "التسييس"، وأتاح للقيادة المنتخبة التفرغ للتخطيط الإستراتيجي، تبعا له.
ولفت إلى أن رفع كوتا النساء إلى 30 % مع ضمان تمثيلهن في المكتب التنفيذي شكّل خطوة "إيجابية ملموسة"، في حين أن توسيع مفهوم الخطة الحضرية ليشمل قطاعي النقل والنفايات في منح البلدية قدرة تكريس مظلة شاملة لتنظيم الفضاء الحضري.
لكن، وفق العزام، فإن القانون لم يخل من السلبيات التي أجملها بـمنح مجلس الوزراء صلاحية "مطلقة" لحل المجالس المنتخبة دون "تقييدها" بأسباب قانونية حصرية، ما يُعدّ "مخالفةً لأفضل الممارسات في الحكم المحلي".
وأضاف أن التحول الكامل إلى التعيين في مجالس المحافظات يؤدي إلى "سلب الناخب حقه" الدستوري في الاقتراع المباشر ومحاسبة المجلس على موازنة محافظته.
ومن بين السلبيات، التي أوردها كذلك، إتاحة الخيار بين نسبتين متفاوتتين (50 % من عوائد المحروقات، أو 3 % من الموازنة العامة) وربطهما بعبارة "وحسب ما يقرره مجلس الوزراء" تُشكّل "ثغرةً تشريعية"؛ إذ تحوّل هذا التمويل من "حق قانوني ثابت" إلى "منحة متذبذبة" خاضعة للاعتبارات المالية والتقديرية للحكومة.
ولضمان الاستقرار المالي الضروري للتخطيط التنموي، دعا العزام إلى تعديل النص بتحديد إحدى النسبتين بشكل قاطع، أو إضافة قيد قانوني ملزم يعتمد "أيهما أعلى".
ورغم استحداث منصب المدير التنفيذي، أبقت المسودة على تشكيل اللجان التنفيذية البحتة كلجنتي العطاءات والاستثمار بيد المجلس البلدي التشريعي، ما يجعله "منفذاً ورقيباً" في آن واحد، ويُفضي إلى "تضارب صريح" في المصالح، كما ذكر.
ولفت إلى أن المسودة وضعت معايير جيدة لتوزيع المخصصات، غير أنها "لم تلزم" الوزارة بنشر المعادلة الحسابية وأوزانها للعموم، ما يفتح الباب أمام "الاسترضاء السياسي ويُضعف شفافية التنافس".
وقد يُدخل إخضاع مشاريع الشراكة البلدية لأحكام قانون الشراكة بين القطاعين العام والخاص المركزي الاستثماراتَ المحلية الصغيرة في "نفق بيروقراطي طارد للمستثمرين"، في رأيه.
بيد أن العزام يرى في المسودة أنها تلبي الطموحَ "نظرياً" بوضعها هيكلاً مؤسسياً عصرياً، غير أن النقلة الفعلية لن تتحقق بمجرد إقرار النص، بل بتغيير هندسة العمل البلدي عبر ثلاثة مسارات.
وأوضح أن هذه المسارات لن تحقق النقلة التنموية إلا حين "تحرر" رئيس البلدية من توقيع معاملات الرخص والمشتريات اليومية التي ستُنقل إلى المدير التنفيذي، فيتفرغ لبناء شراكات مع الغرف التجارية والمستثمرين، وتسويق الميزة التنافسية لمدينته.
وأما النقلة الرقابية فإنها تتحقق حين تتحول تقارير البلدية من التقارير السردية إلى نظام تقييم رقمي يُطبّق مفهوم "القيمة الأفضل" المعمول به دولياً، بحيث يُحاسَب المدير التنفيذي على تكلفة الخدمة ووقت إنجازها وعمرها الافتراضي، وفقه.
وربط العزام نجاح المسودة بتفعيل الموازنة التشاركية "إلكترونياً وبشفافية تامة"، بحيث يتيقن المواطن من أن أولويات حيّه السكني قد تُرجمت فعلياً إلى أرقام في الموازنة المعتمدة، فالنقلة الحقيقية رهينة "بمرونة الأنظمة التنفيذية" التي ستصدر لاحقاً.
ومن البنود التي يجب حذفها من المسودة الحالية، في رؤيته، إلغاء صلاحية مجلس الوزراء المنفردة بحل المجالس، واستبدالها بآلية تستلزم حكماً قضائياً، أو إثبات مخالفات جسيمة وحصرية.
وحث على إلغاء منح أي موظف تنفيذي حق التصويت داخل لجنة الحوكمة والمتابعة، حماية لمراقبة المنفذ نفسه.
ومن البنود التي يجب تعديلها، وفق قوله، تحويل صيغة المشاركة المجتمعية من "للمجلس البلدي إجراء المشاورات" إلى "يلتزم المجلس البلدي بإجراء المشاورات"، لسد ذريعة "التهرب من المساءلة الشعبية".
وشدد كذلك على اعتماد النظام المختلط في مجالس المحافظات بانتخاب 70 % من الأعضاء مباشرةً لضمان الرقابة الشعبية، وتعيين 30 % تمثيلاً وظيفياً من رؤساء البلديات والنقابات لضمان الكفاءة الفنية.
ودعا إلى نقل رئاسة لجان العطاءات والمشتريات والتنظيم إلى المدير التنفيذي، وحصر دور المجلس البلدي في رسم السياسات والمصادقة النهائية، كما هو الحال في الجهات الحكومية.
وطالب بتعديل القيد المطلق بقانون الشراكة المركزي، بإضافة نص يُعفي مشاريع البلديات الأقل من سقف مالي محدد من أحكامه، ويُخضعها لنظام استثمار وشراكات، انسجاماً مع التجارب الدولية التي تُميّز بين المشاريع الوطنية الكبرى والمشاريع المحلية الصغيرة.
وحول البنود التي يجب إضافتها، فيوضحها العزام بأنها النص صراحةً على تشكيل لجنة تدقيق مالي ورقابة دائمة، تضم خبراء ماليين وقانونيين مستقلين من المجتمع المحلي، وإلزام الحكومة قانونياً بنشر المعادلة الحسابية والأوزان النقطية المعتمدة في توزيع الأموال، ونشر تقييم أداء كل بلدية على الملأ.
ومن.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من صحيفة الغد الأردنية
