مصر تتحول للدعم النقدي.. مكاسب في الكفاءة ومخاطر يقودها التضخم

بعد أكثر من 6 سنوات من بدء الحكومة المصرية دراسة ملف تحويل الدعم العيني إلى النقدي، للحد من تسرب الدعم وضمان وصوله إلى مستحقيه، تستعد القاهرة للبدء فعلياً في تطبيق النظام الجديد لأول مرة اعتباراً من العام المالي المقبل 2026-2027.

ومن المقرر أن تعلن الحكومة المصرية قريباً عن الخطوات التنفيذية لتطبيق نظام الدعم النقدي الجديد، بحسب ما أعلنه رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي، في مؤتمر صحفي قبل أيام.

نظام دعم السلع التموينية المطبق حالياً في مصر يتيح منتجات غذائية محددة للمستفيدين بأسعار مدعومة، تتحمل الحكومة فارق تكلفتها، فيما يستهدف النظام المرتقب تطبيقه صرف قيمة الدعم نقداً للمستفيدين ومنحهم حرية اختيار السلع والخدمات التي تناسب احتياجاتهم.

وتخصص مصر 178.3 مليار جنيه (3.3 مليار دولار) لدعم السلع التموينية في مشروع موازنة العام المالي المقبل (الفترة من يوليو المقبل إلى يونيو 2027)، وفق بيانات وزارة المالية المصرية.

ويلتهم دعم السلع التموينية، والذي يستفيد منه 60 مليون مواطن، نحو 38% من إجمالي مخصصات الدعم بالموازنة المصرية والمقدرة بنحو 468 مليار جنيه، بحسب بيانات وزارة المالية.

وأثار اتجاه الحكومة المصرية لاستبدال الدعم السلعي بالنقدي، ردود فعل متباينة في مصر، فبينما اعتبره بعض الخبراء خطوة لتحسين كفاءة الإنفاق العام وتعزيز العدالة الاجتماعية، رأى البعض الآخر مخاطرة في تطبيق النظام حال زيادة معدل التضخم وارتفاع سعر رغيف الخبز.

الحكومة المصرية توسّع منافذ بيع اللحوم بأسعار تقل حتى 30%

3 عوامل تحدد فرص نجاح المنظومة الجديدة

من جانبه، قال عضو الجمعية المصرية للاقتصاد والتشريع محمد أنيس، إن هناك 3 محددات رئيسية لنجاح التحول من الدعم العيني إلى النقدي في مصر، يمكن اعتبارها المعايير التي سيتم من خلالها الحكم على كفاءة المنظومة الجديدة وقدرتها على الاستمرار مستقبلاً.

أنيس أوضح لـ«إرم بزنس» أن المحدد الأول يتمثل في أن يكون الدعم النقدي إلكترونياً بالكامل، سواء في الاستلام أو الإنفاق، بحيث يحصل المواطن على قيمة الدعم عبر بطاقة إلكترونية مخصصة، تُستخدم مباشرة في عمليات الشراء والسداد، دون إمكانية سحب المبلغ نقداً من ماكينات الصراف الآلي.

أما المحدد الثاني فيتعلق بإتاحة استخدام بطاقة الدعم في شراء مجموعة واسعة من السلع والخدمات الأساسية، تشمل شراء السلع الغذائية، وسداد فواتير الكهرباء، ومدفوعات الوقود، وتكاليف النقل والمواصلات مثل تذاكر المترو والقطارات، وفق أنيس.

ورأى أنيس أن هذا المحدد يمنح المواطن حرية كاملة في توجيه قيمة الدعم وفق احتياجاته، طالما بقي في حدود المبلغ المخصص له.

وأشار إلى أن المحدد الثالث يتمثل في ضرورة زيادة قيمة الدعم النقدي بصورة دورية، على غرار الزيادات السنوية في المعاشات، حتى لا تتآكل قيمته الشرائية مع ارتفاع معدلات التضخم.

واعتبر أنيس أن المحددات الثلاثة تمثل الأساس الحقيقي لضمان انتقال سليم وكُفء من الدعم العيني إلى النقدي، كما تسمح بتقييم مدى نجاح المنظومة الجديدة على أرض الواقع.

رجل يشتري الخبز من أحد الأسواق الشعبية غرب القاهرة.

تجهيز البنية التحتية الرقمية وإعداد قواعد بيانات دقيقة

أشار أنيس إلى أن التحدي الأكبر أمام بلاده لا يكمن في فكرة الدعم النقدي نفسها، بل في «سلاسة الانتقال» إلى النظام الجديد.

وأوضح أن التطبيق يتطلب تجهيزات واسعة قبل ظهور المنظومة للمواطنين، تشمل تطوير البنية التحتية الرقمية، وإعداد قواعد بيانات دقيقة للمستحقين، وتحديد عدد الأفراد التابعين لكل بطاقة دعم، مع منع أي تكرار أو ازدواجية في الاستحقاقات.

وأضاف أن نجاح المنظومة يتطلب أيضاً ربط بطاقة الدعم بكافة شبكات الدفع الإلكتروني، بحيث تعمل مثل البطاقات البنكية العادية، ويمكن استخدامها بحرية داخل المتاجر الكبرى، ومحطات الوقود، ووسائل النقل، وفي سداد الخدمات المختلفة داخل السوق الحرة، وليس من خلال منافذ محددة فقط.

ما المكاسب المتوقعة من الدعم النقدي؟

أشار أنيس إلى أن التحول إلى الدعم النقدي قد يحقق وفورات كبيرة للدولة عبر تقليص أوجه القصور المرتبطة بالدعم العيني، وعلى رأسها الهدر في عمليات النقل والتخزين والتوزيع، والذي قد يصل إلى ما بين 10 و15%.

ورأى أن وجود سعرين للسلعة الواحدة في منظومة الدعم العيني يخلق فرصاً للسوق الموازية والفساد المالي والإداري، كما يدفع الدولة لتحمل أعباء رقابية وبيروقراطية ضخمة لضبط المنظومة ومنع التسرب.

وأضاف أن الدعم العيني لا يصل في النهاية إلى مستحقيه بالكفاءة المطلوبة، في حين أن الدعم النقدي يضمن وصول القيمة المخصصة بالكامل تقريباً إلى المواطنين المستهدفين، دون وسطاء أو تكاليف إدارية مرتفعة.

واستبعد أنيس أن يسهم التحول إلى الدعم النقدي في تقليص مخصصات الدعم في الموازنة العامة للدولة، معتبراً أن الهدف الأساسي للمنظومة الجديدة هو رفع كفاءة الإنفاق وتحسين توجيه الدعم الغذائي الأساسي، وليس خفضه.

رفع كفاءة منظومة الدعم

بدوره، قال أستاذ التمويل والاستثمار مصطفى بدرة، إن توجه الحكومة المصرية نحو الدعم النقدي خطوة جرى الإعداد لها ودراستها على مدار 6 سنوات، بهدف رفع كفاءة منظومة الدعم وضمان وصوله بصورة مباشرة إلى الفئات الأكثر استحقاقاً.

بدرة أوضح لـ«إرم بزنس» أن الدعم النقدي يمنح الدولة مرونة أكبر في التعامل مع المتغيرات الاقتصادية، كما يتيح تقديم المساندة المالية للمواطنين بشكل سريع ومباشر دون المرور بحلقات وسيطة، بما يحد من استفادة السوق الموازية أو بعض التجار من منظومة الدعم العيني على حساب المواطنين.

وأضاف أن مصر طبقت خلال الفترة الماضية نموذجاً يجمع بين الدعم النقدي والعيني، من خلال صرف حوافز نقدية بقيمة تقارب 400 جنيه شهرياً لمدة أربعة أشهر للفئات محدودة الدخل، بالتوازي مع استمرار العمل ببطاقات التموين ونظام نقاط الخبز.

بعد استحقاقات تفوق تريليون جنيه.. كيف حافظت بنوك مصر على السيولة؟

أثر اقتصادي مضاعف

من جانبه اعتبر الخبير الاقتصادي هاني توفيق، أن التحول إلى الدعم النقدي يحمل أثراً اقتصادياً أوسع مقارنة بالدعم العيني.

وأوضح توفيق في منشور له على فيسبوك، أن منح المواطن دعماً نقدياً مباشراً بقيمة ألف جنيه، على سبيل المثال، يدفعه إلى استخدام المبلغ في سداد التزاماته اليومية أو احتياجاته الأساسية، بما يسمح بضخ الأموال داخل الدورة الاقتصادية بصورة مستمرة.

وأضاف أن هذا الأمر يؤدي إلى انتقال قيمة الدعم بين عدة أطراف داخل المجتمع، بما يتيح تدوير السيولة النقدية أكثر من مرة داخل الاقتصاد.

وقدّر توفيق مخصصات الدعم العيني في مصر حالياً بنحو 250 مليار جنيه، وقال إن تحويل هذه القيمة إلى دعم نقدي يمكن أن يولد أثراً اقتصادياً يصل إلى نحو 2.5 تريليون جنيه، نتيجة زيادة سرعة دوران الأموال وتحفيز النشاط الاقتصادي.

مخاطر محتملة يقودها التضخم

من جانبه رأى عضو مجلس النواب محمد فؤاد، أن التحول إلى الدعم النقدي يتطلب توضيح الآلية التي سيتم بها مراجعة قيمة الدعم النقدي على البطاقة التموينية، في حال زيادة معدل التضخم وارتفاع سعر رغيف الخبز.

وأضاف فؤاد في تصريحات تلفزيونية أن المشكلة الثانية تكمن في تحديد المستحقين للدعم، معتبراً أن هذا الأمر سيحتاج النظر إلى أمور كثيرة من بينها تحديد نسبة الفقر في البلاد، ووضع مستحقات كافية لهذا الدعم.

إلى ذلك، اعتبر الخبير الاقتصادي مدحت نافع، أن معدلات التضخم المرتفعة في مصر تجعل الدعم النقدي أعلى وفراً للحكومة وأقل قيمة ومنفعة للمستفيدين.

وأضاف نافع في منشور له على فيسبوك، أن التحول التام إلى الدعم النقدي يغفل اعتبارات الأمن الغذائي وتداعيات الإخلال به على تكاليف العلاج والرعاية الصحية وإنتاجية المواطن.


هذا المحتوى مقدم من إرم بزنس

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من إرم بزنس

منذ 3 ساعات
منذ 8 ساعات
منذ ساعة
منذ 3 ساعات
منذ 3 ساعات
منذ 22 دقيقة
اقتصاد الشرق مع Bloomberg منذ 11 ساعة
قناة CNBC عربية منذ 21 ساعة
اقتصاد الشرق مع Bloomberg منذ 3 ساعات
صحيفة الاقتصادية منذ 15 ساعة
اقتصاد الشرق مع Bloomberg منذ 6 ساعات
اقتصاد الشرق مع Bloomberg منذ 17 ساعة
قناة CNBC عربية منذ 9 ساعات
صحيفة الاقتصادية منذ ساعتين