هل تمكين القطاع الخاص في مصر وعد مبهر أم وهم بيانات؟ تطرح الدولة رؤية تستهدف تقليص دورها المباشر في النشاط الاقتصادي، وتمنح القطاع الخاص موقعًا جديدًا؛ لا باعتباره "مُساعدًا" على الهامش بل "بطلًا قوميًّا" يُعوَّل عليه في قيادة النمو وخلق فرص العمل، مع مستهدف معلن لرفع مساهمته في الاستثمارات الكلية المنفذة إلى 65% بحلول 2030؛ ضمن برنامج إصلاح اقتصادي أوسع مدعوم باتفاق تمويلي مع صندوق النقد الدولي بقيمة 8 مليارات دولار.
لكن بعد ثلاث سنوات من محاولة تحويل هذه الرؤية إلى واقع عبر وثيقة ملكية الدولة، تبدو القصة أكثر تعقيدًا مما تقوله العناوين؛ فالأرقام تكشف حركة لا يمكن إنكارها، وصفقات بمليارات الدولارات، لكنها لا تعكس حتى الآن تحولًا كاملًا في تمكين القطاع الخاص، بقدر ما تشير في جانب معتبر منها إلى إعادة هيكلة في أنماط الملكية، أكثر من تغيير جذري في قواعد اللعبة الاقتصادية.
هذا التحقيق المدفوع بالبيانات يغوص في أرقام تنفيذ وثيقة ملكية الدولة؛ بحثًا عن المسافة بين الوعود والنتائج، استنادًا إلى تقارير المتابعة الحكومية حتى التقرير الثالث، وتقارير صندوق النقد الدولي الأحدث ضمن برنامج التسهيل الائتماني الممتد.
تجدر الإشارة إلى ان هذا التحقيق تم تنفيذه في إطار منحة إنتاج المحتوى المعزز بالبيانات واستخدام تطبيقات الذكاء الاصطناعي، من مؤسسة هيكل للصحافة العربية، بالتعاون مع مركز التدريب بنقابة الصحفيين المصرية في الفترة من 1 نوفمبر 2025 الى 15 يناير 2026، وقد تم اختيار الموضوع ضمن افضل 6 موضوعات تم تنفيذها في إطار المنحة.
- بوصلة الوثيقة: 3 سنوات من الوعود والفجوات صدرت "وثيقة سياسة ملكية الدولة للأصول" في ديسمبر 2022 بموافقة رئاسية، وهي أول مبادرة من نوعها في الشرق الأوسط بشهادة البنك الدولي، تهدف إلى رفع مساهمة القطاع الخاص في الاستثمار والناتج والتشغيل والتصدير عبر "الحياد التنافسي" وإصلاحات حوكمة.
أصدرت الحكومة ثلاثة تقارير سنوية لمتابعة تنفيذ وثيقة ملكية الدولة، في أغسطس من كل عام، وبحسب التقرير الثالث، بلغت حصيلة الطروحات والتخارج خلال الفترة من مارس 2022 إلى يونيو 2025 نحو 5.86 مليار دولار، بما يعادل قرابة 48% من مستهدفات تلك المراحل؛ لكن دلالة الرقم تبقى محدودة؛ إذ إن جانبًا كبيرًا من التنفيذ جاء عبر بيع حصص جزئية أو إدخال مستثمرين، لا عبر تخارج كامل ومنتظم من قطاعات أو أنشطة.
يشكّل تمكين القطاع الخاص أحد المحاور الرئيسية في الإصلاحات الاقتصادية والهيكلية التي تتبناها الدولة، إذ تستهدف الحكومة رفع مساهمة القطاع الخاص في الاستثمارات الكلية المنفذة إلى 65% بحلول 2030، وجعله المحرك الرئيسي للنمو وخلق فرص العمل، ضمن برنامج إصلاح اقتصادي أوسع مدعوم باتفاق تمويلي مع صندوق النقد الدولي بقيمة 8 مليارات دولار. وتأتي وثيقة ملكية الدولة كأداة رئيسية لتحقيق هذا الهدف، عبر آليات تشمل الطروحات الحكومية في البورصة، أو إتاحة فرص استثمارية استراتيجية أمام المستثمرين.
- من الزخم إلى التباطؤ.. ماذا يكشف تقرير المتابعة الثالث؟ لكن تقارير المتابعة الحكومية، ومعها تقارير صندوق النقد الدولي، تقول إن الطريق أكثر تعقيدًا. هناك حراك فعلي في ملف التخارج والطروحات، وصفقات وشراكات لا يمكن تجاهلها، لكن السؤال الأهم يظل: هل يكفي هذا الحراك للقول إن القطاع الخاص انتقل فعلًا من الهامش إلى موقع القيادة؟
هنا لا تكفي حصيلة الصفقات وحدها، ولا تكفي التدفقات التمويلية، ما لم تُقاس بما تحقق فعليًا من أهداف معلنة في الاستثمار والتشغيل والنمو.
يكشف التقرير الثالث لمتابعة تنفيذ وثيقة ملكية الدولة أن برنامج الطروحات حقق نتائج قوية في مراحله الأولى، ثم بدأ يفقد الزخم تدريجيًا في المراحل اللاحقة؛ ففي المرحلة الأولى، استهدفت الحكومة التخارج الكلي أو الجزئي من 6 شركات بحصيلة مستهدفة 3.3 مليارات دولار، وحققت بالفعل نحو 3.11 مليارات دولار، بنسبة إنجاز 94.2%. وفي المرحلة الثانية، استهدفت التخارج من 7 شركات بحصيلة 2 مليار دولار، وحققت نحو 1.99 مليار دولار، بنسبة إنجاز 99.5%.
لكن الصورة اختلفت بوضوح في المرحلتين الثالثة والرابعة؛ فالمرحلة الثالثة استهدفت التخارج من 6 شركات/أصول بحصيلة 5 مليارات دولار، لكنها لم تحقق سوى 625 مليون دولار، بنسبة إنجاز 12.5% فقط. أما المرحلة الرابعة، التي استهدفت التخارج من 4 شركات بحصيلة 1.9 مليار دولار، فلم تحقق سوى 142 مليون دولار تقريبًا، بنسبة إنجاز 7.5%.
بهذا المعنى، لا تكمن دلالة التقرير في إجمالي الحصيلة فقط، بل في التفاوت الواضح بين بدايات قوية ومراحل لاحقة بطيئة. الحكومة نفذت خلال الفترة من مارس 2022 إلى يونيو 2025 نحو 19 عملية طرح فعلي، بحصيلة إجمالية 5.86 مليارات دولار من مستهدف 12.2 مليار دولار، أي بنسبة إنجاز 48%؛ وهو ما يعزز فرضية أن ملف الطروحات شهد حراكًا فعليًا، لكنه لم يتحول بعد إلى مسار تخارج واسع ومنتظم قادر وحده على إثبات انتقال القيادة الاقتصادية إلى القطاع الخاص.
وتظهر هذه الملاحظة أيضًا في طبيعة بعض الصفقات؛ فصفقة فنادق إيجوث EGOTH (الشركة المصرية العامة للسياحة والفنادق)وHOTAC (الشركة القابضة للسياحة والفنادق)، جاءت عبر آلية تمويلية لزيادة رأس المال وضخ استثمارات بالعملة الأجنبية، وليست بيعًا مباشرًا كاملًا للأصول.
لذلك، يظل السؤال الأهم: هل نحن أمام نقل فعلي للسيطرة الاقتصادية إلى القطاع الخاص، أم أمام مزيج من طروحات جزئية وزيادات رأسمال وترتيبات تمويلية تعيد هيكلة الملكية أكثر مما تنهي حضور الدولة؟
- انحسار بصمة الدولة.. كيف يُقاس التمكين الحقيقي للقطاع الخاص؟ بعد إقرار الوثيقة في ديسمبر 2022، انتقل السؤال من إعلان الالتزام بتمكين القطاع الخاص إلى كيفية قياس هذا التمكين على أرض الواقع.
ولا تقتصر الوثيقة على كونها أداة للتخارج، بل ترتبط بحزمة إصلاحات لتعزيز جاذبية بيئة الأعمال وتنافسيتها، مع التركيز على الحياد التنافسي وحوكمة الأصول المملوكة للدولة وفق معايير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية.
والتزامًا بمبدأ الشفافية في إطار برنامج صندوق النقد الحالي، تتبنى الحكومة إصدار تقارير دورية تتابع تطورات برنامج الطروحات ومسار الإصلاحات الداعمة لقطاع الأعمال؛ وقد صدر منها حتى الآن ثلاثة تقارير، بواقع تقرير في أغسطس من كل عام منذ 2022.
وبقراءة نص الوثيقة، يتضح أنها لا تستهدف مجرد بيع أصول أو تنفيذ طروحات، بل تسعى إلى تغيير هيكلي أوسع عبر رفع مساهمة القطاع الخاص في أربعة مجالات رئيسية: الاستثمارات المنفذة، والناتج المحلي الإجمالي، والتشغيل، والتصدير.
كما تكشف الوثيقة أن تمكين القطاع الخاص يرتبط بمسارين متوازيين: أولهما التخارج أو تقليل ملكية الدولة في بعض الأنشطة، وثانيهما إصلاح البيئة التشريعية والإجرائية، بما يعزز تنافسية السوق ويطبق مبدأ الحياد التنافسي بين شركات الدولة والقطاع الخاص.
وفي هذا السياق، تبرز أهمية المؤشرات الأربعة التي أعلنت الحكومة إعدادها لقياس تنفيذ الوثيقة، وتشمل: الاستثمار، والائتمان الموجه للقطاع الخاص، والتوظيف الخاص، ومساهمة القطاع الخاص في النمو؛ فهذه المؤشرات تنقل تقييم الوثيقة من مجرد حساب حصيلة الطروحات إلى قياس أثرها الفعلي على بنية الاقتصاد ودور القطاع الخاص داخله.
ورغم أن اعتماد هذه المؤشرات يمثل خطوة مؤسسية مهمة، فإنه يكشف في الوقت نفسه أن الوثيقة ظلت خلال سنواتها الأولى بحاجة إلى أدوات قياس أكثر وضوحًا، تسمح بتقييم أثرها الحقيقي لا الاكتفاء برصد عدد الصفقات أو حصيلتها المالية.
وبحسب التقرير الثالث لمتابعة تنفيذ وثيقة ملكية الدولة، أعلنت الحكومة في فبراير 2023 قائمة أولية تضم 32 شركة وبنكًا وأصلًا، قبل إضافة 3 شركات أخرى هي: الشرقية للدخان، والعز الدخيلة، والمصرية للاتصالات، ليصل الإجمالي إلى 35 شركة؛ ولكن لا تكشف القائمة حجم التقدم الفعلي في تنفيذ الوثيقة، بقدر ما تفتح سؤال التنفيذ: أي الشركات طُرحت فعلًا؟ وأيها ظل في مرحلة التجهيز؟ وأين انتهى التخارج إلى نقل فعلي للملكية أو الإدارة، وأين بقي في حدود الطرح الجزئي أو إعادة هيكلة الملكية؟
ويعزز هذا التقييم ما ذهب إليه الدكتور زياد بهاء الدين، نائب رئيس الوزراء ووزير التعاون الدولي الأسبق، خلال تصريحات تلفزيونية مع الإعلامية لميس الحديدي؛ انتقد فيها "محدودية ما نُفذ من وثيقة ملكية الدولة" بعد أكثر من ثلاثة أعوام على صدورها، معتبرًا أن جوهر الإصلاح لا يكمن في السرديات العامة، بل في تحديد واضح وملزم لدور الدولة داخل السوق، وأن الوثيقة رغم أهميتها لم تتحول بعد إلى خطوات تطبيقية مؤثرة بالقدر المأمول.
- الموقف التنفيذي لخطة الطروحات الحكومية (قائمة الـ 35 شركة) قطعت الحكومة المصرية شوطًا ملموسًا في تنفيذ برنامج الطروحات، الذي شمل في طياته 35 شركة وبنكًا وأصلا، كجزء من استراتيجية أوسع لتمكين القطاع الخاص. وبحسب بيانات التقرير الثالث المشارإليه سلفا، فقد نجحت الدولة خلال المراحل الأربعة (من مارس 2022 حتى يونيو 2025) في تحقيق حصيلة إجمالية بلغت 5.86 مليارات دولار.
وتنوعت آليات التنفيذ لضمان أقصى استفادة اقتصادية، حيث شملت الطرح في البورصة المصرية، والبيع لمستثمرين استراتيجيين، وزيادة رؤوس أموال الشركات، وبينما تم الانتهاء من صفقات كبرى في قطاعات الأسمدة، والبتروكيماويات، والاتصالات، والفنادق التاريخية، والتبغ، لا تزال هناك ملفات حيوية في مراحل "التجهيز النهائي".
وفي ديسمبر 2024، أعلن رئيس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولي نية الحكومة طرح حصص في 10 شركات مملوكة للدولة خلال 2025، بينها سايلو فودز، ووطنية، وصافي، وتشيل أوت، ومحطة رياح جبل الزيت، وبنك الإسكندرية، وبنك القاهرة. غير أن هذه القائمة ظلت، حتى مطلع 2026، أقرب إلى مرحلة التجهيز منها إلى التنفيذ المكتمل، باستثناء طرح المصرف المتحد بنسبة 30% في ديسمبر 2024 كخطوة أولية.
وحتى نشر هذا التحقيق، لم تكن النسخة المحدثة من وثيقة ملكية الدولة قد صدرت بعد، بصورة رسمية كما لم تُنشر القائمة النهائية المحدثة للشركات المخطط طرحها.
وفي المقابل، تشير المراجعتان الخامسة والسادسة لصندوق النقد الدولي إلى أن المرحلة المقبلة تستهدف إتمام 4 صفقات رئيسية قبل نهاية البرنامج، بعوائد متوقعة تقارب 1.5 مليار دولار؛ وهو ما يجعل برنامج الطروحات في لحظة اختبار بين التعهدات المعلنة والتنفيذ الفعلي؛ وجاءت المتابعة الحكومية الأخيرة لتؤكد أن الملف دخل مرحلة حسم إجرائي أوسع.
في أحدث متابعة حكومية للملف -مايو 2026- استعرضت المجموعة الوزارية الاقتصادية، برئاسة رئيس الوزراء مصطفى مدبولي، موقف الاستعداد للمراجعة السابعة لبرنامج الإصلاح الاقتصادي مع صندوق النقد الدولي، مع التأكيد على استمرار السياسات الداعمة لتمكين القطاع الخاص، وفي مقدمتها برنامج الطروحات الحكومية وتحديث وثيقة ملكية الدولة. كما جرى عرض تعديلات النسخة المحدثة من الوثيقة، بما يشمل صياغة رؤية أوضح لدور الدولة في القطاعات المختلفة، سواء بالتخارج أو الاستمرار أو الشراكة، تمهيدًا لعرضها على مجلس الوزراء.
وعلى مستوى التنفيذ، أعلنت وحدة الشركات المملوكة للدولة قيد 12 شركة من أصل 20 شركة تابعة للشركات القابضة بوزارة قطاع الأعمال سابقًا في البورصة، مع تجهيز 8 شركات أخرى للقيد المؤقت، وتحضير 10 شركات من قطاع البترول للقيد، إلى جانب نقل ملكية عدد من الشركات إلى صندوق مصر السيادي.
وشدد رئيس الوزراء على ضرورة حسم مصير هذه الشركات قبل 30 يونيو المقبل، بما يجعل الأسابيع المقبلة.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من جريدة الشروق
