في القرى الأردنية القديمة، لم يكن الإنسان يُقاس بما يملك من مالٍ أو عقارات أو عدد المتابعين على وسائل التواصل الاجتماعي، بل بما يتركه من أثرٍ طيب في النفوس، وبمقدار الاحترام الذي يحمله
له وهو يغادر الحارة مع غروب الشمس.
كان أبو يوسف السمكري واحدًا من أولئك الرجال الذين عبروا ذاكرة القرى ببساطةٍ تشبه النبل الشعبي. يحمل صندوق أدواته المعدنية، ويجوب الطرقات الترابية من بيتٍ إلى آخر، يصلح بابور الكاز ، ويلحم الأواني القديمة، ويعيد للحياة أشياءَ كانت العائلات ترى فيها جزءًا من يومها ودفئها ومعيشتها.
لم يكن موظفًا رسميًا، ولا صاحب شركة، ولا من أصحاب الشهرة الحديثة، لكنه كان معروفًا أكثر من كثيرٍ من مشاهير هذا الزمن. كان
يعرفون صوته قبل أن يروه: مصلّح بوابير الكاااز
ذلك الصوت لم يكن مجرد إعلان عن مهنة، بل جزءًا من الإيقاع الاجتماعي للقرية. الأطفال يركضون خلفه بفضولهم البريء، والنساء يخرجن يحملن البوابير المعطلة، والرجال يدعونه إلى كأس شاي أو لقمة غداء، وكأن حضوره مناسبة صغيرة تعيد دفء العلاقات بين الناس.
كان أبو يوسف فقيرًا نعم، لكن فقره لم يكن مهينًا. كانت ثيابه ملطخة بالسخام ورائحة الكاز، ووجهه يحمل آثار التعب والترحال، لكنه ظل محتفظًا بهيبته الإنسانية. لم يمتلك سيارة حديثة، ولا بيتًا فاخرًا، ولا أرصدة في البنوك، لكنه امتلك شيئًا أصبح نادرًا في هذا الزمن: الاحترام الفطري.
لقد عرف أهل القرية جميعًا بالأسماء والملامح والظروف. عرف أحزانهم وأفراحهم، واطّلع بحكم دخوله البيوت على كثيرٍ من التفاصيل الخاصة، لكنه لم يتحول يومًا إلى ناقل أسرار أو صانع فضائح أو متطفل على خصوصيات الناس. كان.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من وكالة أنباء سرايا الإخباريه
