مرة أخرى عن الخطيبي و«نقده المزدوج»

هَبْ أن المغرب شهد انبلاج متن فكري من خواصه أن التراث ينضحُ بالحَسن، ويجب النبش فيه، ويَسعدُ، في الآن نفسه بالسيئ، ويجب معاكسته وتلافيه، ويستشف أيضا أن الحداثة الأوروبيّة - الغربية تكتظ بالمعايب التي وجب تعريتها من دون التنطع وإغفال فضائلها، فكيف سيُنظر إلى هذا المتن في وقت هيْمَنت فيه ثلاث موجات فكرية: الأولى انخرطت في السردية الغربية، وتبنت محصلاتها كليا، والثانية تمسكت بالماضي وبَجَّلته، والثالثة سلكت مسلك الاعتدال ونهجت انتقائيةً بين التراث والحداثة؟

إنَّ السوسيولوجي المغربي عبد الكبير الخطيبي هو مَن أَثَّث المكتبة العربية بهذا المتن الفكري، وقد اتسمت كتاباته بفكرة مبتكرة لم يألفْها البحَّاثة من قَبل، وقد سمّاها «النقد المزدوج»، وانفردت مؤلفاته بالجمع بين الميادين المعرفيّة المتباعدة، قبل أن ينجح في أن يُقرِّبَ بعضها من بعض: الإبستمولوجيا، والسميوطيقا، وفكر الاختلاف.

ويُعَدُّ الخطيبي أحد أميز أعلام الحداثة في الفكر المغربي، وأكثر الباحثين اكتسابا لمُنجزات الفكر الغربي، قبل أن يندسَّ فيه محاولا نسفه، معتبرا الحداثة، التي يعتز بها الغرب، والتي جذبت انتباه ألْمع المفكرين العرب الحالمين بالرّفعة ومناطحة الغرب، وذلك في نظرهم صعب التحقيق من دون المرور بالتجارب نفسها التي عاشتها الضفة الأخرى، معتبرا إياها «تقليدا جديدا» جاء ضد «التقليد القديم»، وعَنيَ بهذا الأخير: الموروث الحامل للهوية، والحافل بالثقافة الشعبية، والحافل باللغة بوسمها أسّ الهوية ونواتها.

لا مرية في أن يُنظر إلى كتابات الخطيبي بأنها تبشيرٌ صريح بضرورة التأمل في النتائج التي تلت تجربة الحداثة الأوروبية، وهذه الدعوة تتمظهر من خلال تنبّؤِهِ بالحظوة التي سيظفر بها العلم مستقبلا في ظل انكماش الفكر التقليدي الشفهي وتقهقره، ويظهر أيضا في سياق معاداته الفكر العاجز عن استنباط قيمة العقل وفائدة العلم والتقنية، وقد سماه الفكر التقليدي - اللاهوتي «وارث حضارة المكتوب» (الخطيبي - السياسة والتسامح - 1998 - ص 25)، ويظهر أيضا تقريظه الفنون، وفي طليعتها فن السينما، وأعرب عن تفاؤله الكبير بالمنزلة التي ستعتليها الفنون مستقبلا. وهذا التمدح الذي قابل به الخطيبي الحداثة لم يكن من باب تفخيمها وتعظيمها، وإنما قَصْدَ تفهُّم حصائلها، لتقويضها وهدمها من داخل نسقها لا من الخارج. ولعل ما يُستجلى هنا أن الخطيبي يُنافح بكل شراسة عن الفن والثقافة، وذلك نابعٌ من تفطنه إلى أنهما مقومان أساسيان وضروريان للوصول إلى مصاف الفكر العالمي - الكوني، لكونهما ينطلقان من الخيال والوجدان، وهذا ما يمنحهما نسبة عالية من الصدق، وينكبان على فضح الواقع على الرغم من استنادهما إلى الخيال.

انطلاقا مما كتبه الخطيبي، قد يلمس المتلقي نظرة مغايرة منه إلى التراث، على خلاف د. عبد اللّه العروي، إذ إن الأول يرى أن التراث حافل بما هو محمود، وفيه أشياء مضيئة مهملة، ومنسية، بخاصة في مجال الفنون التعبيرية، تستدعي العودة إليها وتحيينها وتجويدها، فلربما تُسعف في إحراز الانتهاض، وهذا ما يمكن استخلاصه من القول الآتي: «الفن هو الزركشة على الماضي مع الابتكار» (نفسه - ص 39).

إنّ دوام واستمرار حضارة ما من عدمه يرجع بالضرورة إلى المهارة المنظمة التي تخلقها الفنون والحرف اليدوية التقليدية - البسيطة؛ حيث إن من شأنها تعزيز موروث الحضارة، ودعم قوتها الحية أيضا. وقد فصَّل الخطيبي في هذا الموروث مُميِّزاً بين أربعة أصناف منه، أولاها: الصوتي الذي هو كناية عن الموسيقى بمختلف أشكالها وأنواعها والأهازيج الشعبية، وثانيها: الحركي (الرقص)، وثالثها: المنقول، وهو كناية عن التحف الفنية، ورابعها: الموروث الثابت (العمران).

نقرأ للخطيبي في سياق اهتمامه بالتراث بغية تقويضه هو الآخر في نهاية المطاف: «كل مسجد أو قصر أو قبة مزار في أي مكان في المغرب، وكل شيء منحوت بمهارة أو بسذاجة، يدعو إلى تجميل الحياة». إن ما يستخلص من موقف الخطيبي تجاه التراث الثقافي هو حثه على فكرة فحواها أن ما من سبيل إلى تجاوز موروث الحنين دون تقليده، وهذا ما سيُيَسِّر خلقه من جديد (ص 39 - 40).

لا يَنفي الخطيبي صفة الجمود والركود عن التراث العربي، وفي المقابل يُنقب ويُفتش عن المُتألِّق الوضَّاح فيه، بخاصة في الحقل الفني، الذي يسعد بمكانة سامقة في التراث، على الرغم من أن تلك الفنون قد تبدو الآن مُتجاوَزة ومُبتذَلة، لكن يجب النظر إليها بعين السياق التاريخي الذي وُلِدت ونشأت فيه، ولعلّ هذا ما دفع الخطيبي إلى الاهتمام بها وفحْصِها وانتقاءِ أجودها.

وصف الخطيبي التراث بأنه «عودة المَنسي» (الخطيبي - المغرب وقضايا الحداثة - 2009 - ص 134)، بمعنى استعادة المُهمَل والمُفرَّط فيه والمُهمَّش من التراث، وتسليط الضوء عليه، وكشف مناقبه قبل مثالبه.

من خلال ما سبق يُستنتج أول تعارض بين الخطيبي و«داعية التاريخانية» عبد الله العروي من باب التمثيل لا الحصر، فإذا كان هذا الأخير رافضا لما يَحفل به التراث العربي الإسلامي، من دون أن يمنحه فرصة للانتقاء والمساءلة، فإن الخطيبي اختار العودة إليه، والنَّبش فيه عن المضيء والنَّجيع، ولاسيما في عالم الفن الذي سلب اهتمام الخطيبي (التصوُّف - الموسيقى - الثقافة الشعبية «الوشم» - التشكيل - السينما... إلخ)، وكانت له غاية، كما تمَّ تأكيد ذلك آنفاً، وهي خلْخَلته ونقده في إطار السياسة النقدية التي اتَّبعها في كل ما كَتب «النقد المزدوج»، بخاصة ذلك الجزء من التراث الذي «يَنطق بإقامة الإلهي والمُتعالي والمُفارِق في قلوب البشر وعقولهم» (نفسه - ص 134).

شكَّل مفهوم «النقد المزدوج» نقطة مركزية في فكر عبدالكبير الخطيبي، ويَقصد به النقد الذي يتجه صوب «الحداثيين والتقليديين» (محمد الشيخ -.....

لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه


هذا المحتوى مقدم من صحيفة الوطن السعودية

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من صحيفة الوطن السعودية

منذ ساعتين
منذ 6 ساعات
منذ ساعة
منذ 8 ساعات
منذ 4 ساعات
منذ 5 ساعات
صحيفة عكاظ منذ 16 ساعة
صحيفة الشرق الأوسط منذ 13 ساعة
صحيفة عاجل منذ 6 ساعات
صحيفة عكاظ منذ 14 ساعة
صحيفة عاجل منذ 6 ساعات
صحيفة عكاظ منذ 17 ساعة
صحيفة الشرق الأوسط منذ 20 ساعة
صحيفة عاجل منذ 13 ساعة