موديز: التمويل التقليدي يتجه بقوة نحو الأصول الرقمية والعملات المستقرة

يشهد النظام المالي العالمي في مطلع عام 2026 تحولاً جذرياً يتجاوز في أبعاده مجرد التطور التقني ليصل إلى إعادة هيكلة أسواق السيولة العالمية، حيث دخلت العملات المستقرة مرحلة نضج مؤسسي غير مسبوقة بعد أن نجحت في تجاوز حاجز 300 مليار دولار من حيث القيمة السوقية الإجمالية.

جاء هذا الزخم مدفوعاً بقرار وكالة «موديز» (Moody's) للتصنيف الائتماني بمنح صندوق سيولة رقمي مرمز تابع لمجموعة «فيدليتي إنترناشونال» (Fidelity International) أحد أرفع تصنيفاتها الائتمانية، وهي الخطوة التي تعتبر بمثابة اعتراف صريح بانتقال الأصول الرقمية من هوامش المنظومة المالية التجريبية إلى صلب أسواق الاستثمار قصيرة الأجل.

تعكس البيانات الصادرة عن «موديز» أن هذا القطاع نما بمعدلات تجاوزت 60 ضعفاً عما كانت عليه في نهاية عام 2019، مما دفع المؤسسات المالية التقليدية من مصارف ومديري أصول عالميين إلى التسابق نحو تعزيز وجودهم في البنية التحتية الرقمية المرتبطة بتقنيات البلوكتشين وترميز الأصول المالية لضمان التواجد في مستقبل الصيرفة الرقمية العالمية.

بنوك مركزية تحذر: العملات المستقرة الأميركية تهدد الأسواق الناشئة

كيف باتت العملات المستقرة تهيمن على أسواق الدين الأميركي؟

أصبحت العملات المستقرة اليوم جزءاً لا يتجزأ من منظومة الدين العام العالمي، حيث تشير «موديز» إلى أن حجم هذا السوق بات يمثل قرابة 1% من إجمالي سوق سندات الخزانة الأميركية التي تبلغ قيمتها الإجمالية نحو 30 تريليون دولار.

كما تسيطر هذه العملات على نحو 5% من سوق سندات الخزانة الأميركية قصيرة الأجل التي تقدر بحوالي 6.5 تريليون دولار، وهي الفئة الاستثمارية التي تعتمد عليها الغالبية العظمى من الجهات المصدرة للعملات المستقرة لتأمين احتياطياتها النقدية.

فيما يخص الهيمنة النقدية، يوضح تقرير «موديز» أن الدولار الأميركي لا يزال يفرض سيطرته المطلقة على هذا القطاع بنسبة تصل إلى 99% من إجمالي العملات المستقرة المدعومة بأصول حقيقية، حيث تستحوذ عملتا «تيثر» (USDT) و«يو إس دي كوين» (USDC) وحدهما على أكثر من 80% من حجم السوق، في حين لا تزال العملات المستقرة المقومة باليورو أو غيرها من العملات الأجنبية تواجه تحديات جسيمة في بناء سيولة موازية نتيجة ضعف أحجام التداول والافتقار إلى العمق المالي التاريخي الذي يوفره الدولار في أسواق التمويل الدولية.

عملات رقمية وأوراق نقدية من فئة دولار واحد

تصنيف «Aaa-mf».. حين تمنح موديز أعلى درجاتها لصندوق رقمي

في خطوة وصفت بأنها الأكثر تأثيراً في مسار تبني الأصول الرقمية، منحت وكالة «موديز» تصنيف (Aaa-mf) لصندوق «يو إس دي ديجيتال ليكويدتي فند» (USD Digital Liquidity Fund SP) التابع لـ«فيدليتي إنترناشونال»، وهو تصنيف يمنح عادة لصناديق أسواق النقد التي تتمتع بقدرة فائقة على حماية رأس المال والسيولة حتى في فترات الضغوط السوقية الحادة.

يعمل هذا الصندوق من خلال إصدار وحدات رقمية مرمزة يتم تسجيل ملكيتها وتسويتها عبر شبكات البلوك تشين العامة، مع توجيه خدماته حصرياً للمستثمرين المؤسساتيين لتوفير سيولة شبه فورية وإمكانية الاسترداد على مدار الساعة طوال أيام الأسبوع.

حرصت «موديز» في تقييمها على توضيح أن الصندوق لا يمتلك أي تعرض مباشر للعملات المشفرة المتقلبة، بل يستخدم التقنية الرقمية فقط كوعاء لتسجيل العمليات.

بحسب التقرير، سيحافظ الصندوق على سياسة استثمارية متحفظة تضمن متوسط استحقاق للأصول يقل عن 60 يوماً، بالإضافة إلى الاحتفاظ بنسبة 10% في أدوات تستحق يومياً و30% في أدوات تستحق أسبوعياً، مما يمنحه حصانة عالية ضد موجات الاسترداد المفاجئة.

كما أشارت «موديز» إلى أن شركة «إف آي إل إنفستمنتس إنترناشيونال» (FIL Investments International) التي تدير هذه الأصول تشرف على محفظة بقيمة 34.5 مليار دولار ضمن صناديق أسواق النقد.

من الأرجنتين إلى نيجيريا.. العملات الرقمية تغزو الأسواق الناشئة

تجاوز نمو العملات المستقرة مرحلة الارتباط بتداولات العملات المشفرة، ليبدأ في التوسع داخل قطاعات حيوية تشمل المدفوعات الدولية العابرة للحدود وتسوية الأصول المرمزة وإدارة الضمانات المالية للمؤسسات الكبرى.

تبرز الميزة التنافسية لهذه العملات في انخفاض تكاليف التسوية التي تتراوح بين 0.1% و0.5% من إجمالي قيمة المعاملة، وهو ما يمثل تراجعاً هائلاً مقارنة بالأنظمة المصرفية التقليدية التي قد تزيد تكلفتها عن 6%.

أدى هذا التميز إلى تركز نحو ثلثي حيازات العملات المستقرة في مناطق خارج الولايات المتحدة، وتحديداً في الاقتصادات الناشئة التي تسعى للتحوط من انهيار العملات المحلية أو التضخم، حيث سجلت الأرجنتين معاملات بقيمة 34 مليار دولار خلال عام 2024 كان معظمها مرتبطاً بنشاط عابر للحدود، بينما شهدت نيجيريا قفزة في معاملات عملة «يو إس دي كوين» لتتجاوز 3 مليارات دولار شهرياً خلال عام 2025، مما يعكس تحول هذه العملات إلى أداة تمكين مالي في المناطق التي تعاني من قصور في الخدمات المصرفية التقليدية.

نيجيريا وجنوب إفريقيا تقودان نمو الطلب على العملات المستقرة

المخاطر التي لا تتجاهلها موديز رغم التفاؤل

على الرغم من هذه الآفاق الواعدة، فإن وكالة «موديز» تضع في اعتبارها مجموعة من المخاطر الائتمانية والتشغيلية التي قد تعترض مسار هذا التوسع، مستشهدة بالأحداث القاسية التي مر بها السوق مثل انهيار عملة «تيرا يو إس دي» (TerraUSD) في عام 2022 وما تلاه من اهتزاز لمكانة عملة «يو إس دي كوين» خلال أزمة البنوك الإقليمية الأميركية في مارس 2023.

ترى الوكالة أن المخاطر التقنية المرتبطة بالعقود الذكية والاختراقات السيبرانية، بالإضافة إلى جودة الأصول الاحتياطية وسرعة الاسترداد، تبقى نقاط ضعف يجب مراقبتها بدقة.

كما تحذر «موديز» من أثر أبعد مدى يتعلق بالسيادة النقدية، حيث إن توسع هذه العملات قد يؤدي إلى إضعاف قدرة البنوك المركزية في الدول الناشئة على إدارة السياسة النقدية أو القيام بدور المقرض الأخير، نتيجة انتقال جزء جوهري من السيولة النقدية إلى أنظمة رقمية تعمل بآليات مستقلة تماماً عن النظام المصرفي التقليدي، مما يستدعي صياغة أطر رقابية دولية جديدة تضمن استقرار النظام المالي العالمي.


هذا المحتوى مقدم من إرم بزنس

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من إرم بزنس

منذ ساعة
منذ 4 ساعات
منذ 5 ساعات
منذ 3 ساعات
منذ ساعتين
منذ 12 ساعة
صحيفة الاقتصادية منذ 18 ساعة
قناة CNBC عربية منذ 5 ساعات
اقتصاد الشرق مع Bloomberg منذ 5 ساعات
قناة CNBC عربية منذ 8 ساعات
صحيفة الاقتصادية منذ 4 ساعات
قناة CNBC عربية منذ 10 ساعات
اقتصاد الشرق مع Bloomberg منذ ساعة
اقتصاد الشرق مع Bloomberg منذ 18 ساعة