تشهد إمارة الشارقة في الربع الثاني من عام 2026 تحولاً استراتيجياً في هيكلية استثماراتها السياحية، حيث تمضي في ترسيخ مكانتها كوجهة للضيافة طويلة الأجل، متجاوزةً التحديات والتقلبات الجيوسياسية التي تخيم على المشهد الإقليمي.
يأتي إطلاق مشروع المنتجع الساحلي الضخم في مدينة خورفكان، بتكلفة استثمارية تصل إلى 190 مليون دولار، كخطوة عملية لتعزيز الثقة في استقرار البيئة التشغيلية المحلية، ولتعزيز «سياحة الاستجمام» و«العطلات العائلية» التي برزت كخيار مفضل في ظل اضطراب أنماط السفر التقليدية.
صفقات معرض الشارقة العقاري 2026 تتجاوز 1.3 مليار دولار
الرهان على الساحل الشرقي
يمتد المشروع الجديد على مساحة تناهز 330 ألف قدم مربعة، ليشكل نواة لمشروع سياحي متكامل يركز على الاستفادة من الطبيعة الساحلية في المنطقة. ويرى تقرير لمؤسسة «إس آند بي غلوبال» (S&P Global) أن استمرار الإمارة في ضخ هذه الاستثمارات يعكس نهجاً يركز على القيمة طويلة الأمد للأصول السياحية، مستفيدة من المرونة الهيكلية للاقتصاد الوطني.
يتسق هذا مع تقديرات شركة «كوليرز» (Colliers) التي تبرز مرونة قطاع الضيافة في الشارقة وقدرته على جذب التدفقات الاستثمارية نحو الوجهات الساحلية، مستفيداً من البنية التحتية المتطورة والتشريعات التي تضمن استمرارية الأعمال في مختلف الظروف.
تعتمد المدينة في جذب الزوار على تنوع تضاريسها التي تجمع بين الشواطئ الممتدة ومواقع الغوص، وبين المسارات الجبلية والمناظر الطبيعية. وقد برزت معالم مثل «مدرج خورفكان» و«مجمع الشلالات» وأسهمت في زيادة الوعي بالمدينة عبر منصات التواصل الاجتماعي، مما جعلها ضمن الوجهات الأكثر حضوراً في حركة السياحة المحلية.
كما عززت مشاريع مثل «حديقة شيص» من حصة السياحة الطبيعية والبيئية في المنطقة، خاصة بالنسبة للعائلات التي تبحث عن خيارات قريبة للرحلات القصيرة والأنشطة الجبلية، مستفيدة من اعتدال درجات الحرارة النسبي في هذه المناطق المرتفعة مقارنة بمراكز المدن.
الواجهة البحرية في الشارقة مع تخفيف إجراءات الإغلاق بسبب الجائحة في الإمارة الخليجية، في 14 مايو 2020.
مرونة الاقتصادات الخليجية وفق معايير «صندوق النقد الدولي»
تتماشى هذه الرؤية كذلك مع ملاحظات «صندوق النقد الدولي» (IMF) حول «تباين المسارات» الاقتصادية في المنطقة؛ حيث أظهر الاقتصاد غير النفطي في دولة الإمارات قدرة على النمو المتوازن رغم التوترات المحيطة.
يشير الخبراء إلى أن دول الخليج استطاعت تحفيز «السياحة البينية» كبديل استراتيجي؛ إذ بات المواطنون والمقيمون يميلون نحو الوجهات المحلية، لتجنب ارتفاع تكاليف التأمين والمخاطر المرتبطة بالوجهات البعيدة خارج البلاد.
في هذا الإطار، يبرز «منتجع خورفكان» ضمن توجه أوسع لتعزيز السياحة الإقليمية والوجهات الطبيعية داخل الخليج، وهو ما يتسق مع تقارير «منظمة الأمم المتحدة للسياحة» (UN Tourism) التي رصدت تنامياً ملحوظاً في الطلب العالمي على الوجهات التي توفر الارتباط بالطبيعة والاستدامة، معتبرة أن هذا النمط السياحي بات يشكل خياراً متنامياً للمسافرين في ظل الاضطرابات الجيوسياسية العالمية.
«السياحة البرية» بديل استراتيجي في ظل تضخم تكاليف الطيران
يمثل التوسع في خورفكان فصلاً جديداً في استراتيجية إعادة توزيع الخارطة السياحية، حيث يتم توجيه الأنظار نحو المناطق الجبلية والساحلية بعيداً عن ضجيج المركز.
وفقاً لبيانات منصة «يورومونيتور» (Euromonitor)، فإن ارتفاع تكاليف السفر الدولي والحساسية تجاه تقلبات الملاحة الجوية قد دفعا العائلات لتبني نمط «السياحة البرية» (Road-trip Tourism)، مما جعل من الوجهات الساحلية، التي يسهل الوصول إليها، خياراً استراتيجياً.
استثمرت الشارقة في هذا التحول عبر تطوير شبكة طرق تربط الساحل الشرقي بالمناطق الداخلية، ما أسهم في تعزيز جاذبية خورفكان كوجهة سياحية ضمن الإمارة. ويعكس هذا التطور تحولاً في سلوك المستهلك نحو السياحة المحلية، وهو نمط يشهد نمواً متزايداً في ظل ارتفاع الإقبال على الوجهات القريبة وتغير أولويات السفر لدى العائلات.
الإمارات.. الشارقة تحقق أعلى قيمة تداولات عقارية في تاريخها خلال 2025
مؤشرات الأداء لعام 2026 نمو قياسي في ظل الأزمة
مع حلول عام 2026، تظهر نتائج الاستثمارات الطويلة الأجل واضحة في المشهد الاقتصادي للإمارة؛ حيث يواصل «مطار الشارقة الدولي» تنفيذ خطط توسعة تستهدف رفع الطاقة الاستيعابية إلى نحو 20 مليون مسافر، ضمن استثمارات تتجاوز 2.4 مليار درهم.
يتزامن هذا النمو اللوجستي مع افتتاح مشاريع سياحية رائدة أخرى مثل منتجع «لوكس خورفكان» (LUX Khorfakkan)، الذي يمثل رهان الإمارة على سياحة الطبيعة. وترى وكالات التصنيف الائتماني أن استمرار الإنفاق على البنية التحتية والسياحة يدعم مرونة الاقتصادات الخليجية غير النفطية.
كيف دعمت الثقافة تنويع النشاط السياحي في الشارقة؟
لا يمكن قراءة صمود القطاع السياحي في الشارقة بمعزل عن هويتها الثقافية الراسخة، حيث تبنت الإماراة نموذجاً يرتكز على «الاستثمار في المحتوى» عبر متاحفها، ومعرض «بينالي الشارقة الدولي»، والمراكز الفنية المتعددة.
يمثل هذا النهج نموذجاً لتوظيف القطاع الثقافي كمحرك استقرار اقتصادي، وهو التوجه الذي رصده تقرير «مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية» (UNCTAD) لعام 2026 حول 'الاقتصاد البرتقالي'، ودوره في الموازنة بين الحفاظ على الهوية وبين تحقيق نمو سياحي مستدام.
هذا المحتوى مقدم من إرم بزنس

