لا تبدو القاهرة مجرد مدينة تخضع لأعمال ترميم أو تطوير عمراني بل تبدو ككائن قديم يحاول أن يستعيد ذاكرته بعد سنوات طويلة من الإرهاق والزحام والتآكل البصري فالحديث هنا لا يقتصر على إصلاح شوارع أو تجديد مبان وإنما يحمل رغبة واضحة في إعادة تقديم القاهرة باعتبارها حاضنة للهوية المصرية لا مجرد عاصمة مكتظة فقدت ملامحها تحت ضغط الزمن.
ومن اللافت في تصريحات رئيس الوزراء أن الخطاب حاول أن يربط بين الانتقال إلى العاصمة الجديدة وبين إنقاذ القاهرة القديمة وكأن الدولة تسعى إلى نفي الاتهام الذي لاحق مشروع العاصمة الإدارية منذ بدايته وهو أن القاهرة التاريخية ستترك لمصيرها بال الصورة معاكسة تماما حيث تقوم على فكرة أن تخفيف العبء عن المدينة القديمة هو الطريق الوحيد لإعادة اكتشافها والمراقب لجولة رئيس الوزراء يجد حضورا واضحا لفكرة الروح داخل المشهد فحين يتحدث عن شارع الفن وعن عروض الشباب والموسيقى والرسم والرقص يصبح التطوير هنا أقرب لمحاولة إعادة الحياة إلى الشارع المصري نفسه لا إلى الحجر فقط وكأن الدولة تريد للقاهرة الخديوية والإسلامية أن تتحول من مناطق أثرية صامتة إلى فضاءات نابضة بالحركة والثقافة والناس ومن بين أكثر ما يلفت الانتباه أن النص يعتمد كثيرا على المقارنة بين ما كان وما أصبح وقد لاحظت أن هذه الثنائية تتكرر بصورة غير مباشرة طوال تصريحات رئيس الوزراء فالمناطق التي كانت تعاني العشوائية أو التكدس أو التشوه البصري يجري تقديمها الآن بوصفها قابلة لاستعادة الجمال لذلك يبدو الخطاب منطقيا ومعتمدا على فكرة الإقناع البصري أي أن المواطن سيصدق التغيير حين يرى الفارق بنفسه وحين نتحدث عن مناطق مثل السيدة نفيسة والإمام الشافعي والسيدة عائشة فهذه الأماكن ليست مجرد مواقع تاريخية بل جزء من الوجدان الشعبي والديني للقاهرة وبالتالي فإن تطويرها لا يقدم باعتباره عملا هندسيا فقط بل باعتباره استعادة لهيبة أماكن لها حضور عاطفي وروحي عميق لدى المصريين وفي خلفية المشهد كله تظهر فكرة الهوية باعتبارها الكلمة المفتاحية لكل تلك الجهود إن استقام التعبير فالهوية هنا ليست شعارا نظريا بل تترجم عبر الحرف التقليدية والفنون والطراز المعماري والأسواق التاريخية وحتى تحويل بعض الشوارع إلى مساحات للمشاة وكأن الرسالة الأساسية تقول إن القاهرة لا ينبغي أن تنافس المدن الحديثة بتقليدها بل بالعودة إلى شخصيتها الخاصة ورغم الطابع الاحتفائي الواضح إلا أنه لم يتجاهل حجم التدهور الذي وصلت إليه بعض مناطق القاهرة عبر عقود طويلة لأن الحديث المكثف عن الإحياء والاستعادة يعني أن هناك شيئا كان قد فقد بالفعل ولهذا تبدو اللغة الرسمية المستخدمة أقرب إلى خطاب ترميم للذاكرة الجمعية بقدر ما هي خطاب تنمية عمرانية.
وفي تترك جولة وتصريحات رئيس الوزراء انطباعا لا يقيل التشكيك بأن القاهرة تقف أمام محاولة لإعادة تعريف نفسها وهل تظل مدينة منهكة تستهلكها الفوضى والزحام أم تستعيد صورتها كعاصمة ثقافية وحضارية لها وزنها التاريخي وبين المشروعات والميادين والأسواق والفنون يبدو أن الرهان الحقيقي ليس على المباني وحدها بل على قدرة المدينة نفسها على استعادة روحها القديمة دون أن تنفصل عن حاضرها.
هذا المحتوى مقدم من بوابة دار الهلال
