جمعية الرفق بالإنسان: مطلب لمواجهة جيوش الكلاب في الشوارع

أنا لست ممن يكرهون الكلاب، ولم أكن يومًا كذلك.

بل إنني واحد ممن اقتنوا الكلاب وربّوها في فترة سابقة، وأعرف جيدًا تلك العلاقة الخاصة التي تنشأ بين الإنسان وكلبه، علاقة تقوم على الحراسة والرفقة والولاء، وربما يرى الإنسان من الوفاء في كلبه ما لا يراه أحيانًا في بعض البشر، لذلك فأنا أفهم جيدًا مشاعر من يحبون الحيوانات ويدافعون عنها، وأدرك أن الرحمة بالحيوان قيمة أخلاقية وإنسانية لا خلاف عليها.

لكنني أيضًا واحد ممن عقرتهم الكلاب الضالة، وأتذكر جيدًا ذلك اليوم حين فتحت باب سيارتي، فخرج فجأة من تحتها كلب ضال لم أكن أتوقع وجوده، وانقضّ على ساقي عقرًا في لحظة مباغتة لا تُنسى... يومها شعرت بذلك المزيج القاسي من الصدمة والخوف والغضب، وأدركت أن المشكلة ليست نظرية كما يتحدث البعض من خلف الشاشات، بل واقع يعيشه الناس يوميًا في الشوارع.

ثم جاءت أحداث متلاحقة جعلت القضية أكثر سخونة وإلحاحًا، طالبة شابة تفقد حياتها وهي تهرب من مطاردة كلاب الشارع، لتصدمها سيارة ميكروباص. وأخرى تتعرض للمشهد نفسه، فتُنقل إلى المستشفى محطمة العظام، ثم فنان يطرح رأيه في القضية من واقع أنه طبيب في الأصل، فتخرج نقابة الممثلين لتوقفه عن العمل وتخطر شركات الإنتاج بمنعه، حتى قبل بدء التحقيق معه، وكأن إبداء الرأي في ملف يمس أمن الناس وصحتهم أصبح جريمة مهنية.

وفي الخلفية يقف مناصرو حقوق الحيوان ممن يريدون تحويل الشارع إلى حديقة حيوان مفتوحة، لا يسألون كيف يعيش الطفل خائفًا، ولا كيف تسير امرأة ليلًا وهي ترتجف من مجموعات الكلاب المسعورة، ولا كيف صار المواطن يشعر أن الطريق العام لم يعد ملكًا للبشر وحدهم.

ثم تأتينا الهيئة العامة للخدمات البيطرية بخطاب يبدو نظريًا أكثر منه واقعيًا، تتحدث فيه عن منهج علمي قائم على تعقيم الكلاب وتطعيمها ثم إعادة إطلاقها مرة أخرى في الشوارع، دون مراجعة حقيقية لتجارب دول كثيرة حسمت هذه الأزمة منذ سنوات طويلة، واعتبرت أن حماية الإنسان وأمنه وصحته أولوية لا تقبل المساومة أو المجاملة العاطفية.

وفي النهاية، تقف الحكومة وكأنها تشاهد مسرحية هزلية طويلة تفتح الستار كل يوم على مشاهد العقر والمطاردات والرعب والجدل، ثم تغلقه آخر الليل، بينما الناس وحدهم هم من يدفعون الثمن، في الوقت الذي أعلنت فيه وزارة الصحة أن مصر سجلت 1.4 مليون حالة عقر سنويا، والتي تتسبب فيها الكلاب الضالة بنسبة تصل إلى 90% من إجمالي الإصابات، حيث تتصدر أزمة انتشار هذه الحيوانات الشارع المصري وتكبد الدولة نحو 1.7مليار جنيه سنويا لتوفير الأمصال.

وبصفتي طبيبًا، أعرف جيدًا أن الصحة العامة لا تُقاس فقط بعدد المستشفيات أو الأسرة أو أجهزة الأشعة، بل تُقاس أولًا بقدرة الدولة على حماية المواطن في الطريق العام من مصادر الخطر الصحي اليومية، وبصفتي مواطنًا، أشعر بدهشة وغضب وأنا أرى الدولة تقف في موقع المتفرج أمام الانتشار المخيف للكلاب الضالة في الشوارع المصرية، حتى أصبحت بعض المناطق وكأنها مناطق نفوذ لجيوش تتحرك ليلًا ونهارًا بلا رقيب ولا سيطرة، والمشكلة لم تعد مجرد إزعاج أو خوف نفسي كما يحاول البعض تصويرها، بل أصبحت قضية أمن وصحة عامة وسلامة مجتمع كامل، خصوصًا الأطفال والنساء وكبار السن.

والأغرب أنني سمعت رئيس الهيئة العامة للخدمات البيطرية في حوار تليفزيوني يستخدم نفس التعبير الذي يستخدمه مناصرو حقوق الحيوان عند حديثهم عن كلاب الشوارع، بوصفهم بـ (الكلاب الحرة)، بدلًا من مواجهة المشكلة بوضوح، وأخشى أن يكون هذا التعبير غسل يد، أو تبسيط للكارثة عبر تغيير المصطلحات والتسميات الحقيقية التي أقرها القانون، فالقانون رقم ٢٩ لسنة 2023،الخاص بتنظيم حيازة الحيوانات الخطرة والكلاب، ولائحته التنفيذية رقم ١٧٣١ لسنة ٢٠٢٥ استخدما بوضوح مصطلح الحيوان الضال لوصف كلاب الشوارع، بل إن المادة الأولى من القانون عرفت الحيوان الضال بأنه: الحيوان غير المملوك وغير الخاضع لسيطرة ورعاية أي حائز ويوجد في موقع ما معتمدًا على ذاته.

إذن نحن أمام تعريف قانوني واضح وصريح. فلماذا تُصر بعض التصريحات الرسمية على استخدام تعبير الكلاب الحرة؟!

من الذي اخترع هذا المصطلح؟ ومن الذي قرر أن يحول كائنًا ضالًا بلا سيطرة إلى كائن حر وكأننا نتحدث عن ناشط سياسي أو شاعر رومانسي؟! هذه ليست حرية هذه حالة فوضى كاملة تتحمل الدولة مسئوليتها أمام المواطنين.

وحين يخرج المواطن من بيته خائفًا على أطفاله، وحين تخشى الأم أن ينزل طفلها لشراء شيء من آخر الشارع، فنحن أمام أزمة حقيقية لا أمام جدل عاطفي على مواقع التواصل، ولا أمام قضية حقوقية يُمارَس فيها الضغط باسم حقوق الحيوان على حساب حق الإنسان في الأمان والحياة الكريمة، فالإنسان الذي كرّمه الله وخلقه في أحسن تقويم، وجعله مستخلفًا في الأرض، لا يجوز أن يصبح هو الطرف الأقل حماية داخل الشارع العام، وتحويل المسألة إلى معركة عاطفية تُهمَّش فيها سلامة الإنسان البدنية والنفسية والصحية، هو إجحاف بالمنطق قبل أن يكون إجحافًا بحقوق البشر أنفسهم.

وفي حوار تليفزيوني منذ اسبوعين، تحدث رئيس جمعية الرفق بالحيوان مؤكدا أنه تنبه إلى أزمة الكلاب الضالة منذ عام 2013، بعدما لاحظ وجود زيادة غير طبيعية في أعدادها، ومن ثم لجأ إلى جهة دولية مختصة لبحث الوضع، وتم إجراء دراسة استمرت قرابة سنة ونصف لرصد الأعداد التقريبية للكلاب في مصر، ومعرفة ما إذا كان الوضع ما يزال في إطار التوازن البيئي الطبيعي أم تجاوز الخط الأحمر ، وتابع أنهم اتخذوا منطقة كنموذج للدراسة، ومن خلال القياسات التي أُجريت توصلوا في عام 2014، إلى أن تعداد الكلاب بلغ 15 مليون كلب في ذلك الوقت، بينما كان التوازن البيئي الطبيعي يُقدر بحوالي 5 ملايين فقط، أي أن هناك خلل في التوازن البيئي وصل إلى زيادة قدرها 300 %، وأكد رئيس جمعية الرفق بالحيوان أن الحديث عن الأزمة يرتبط بالمشكلات الناتجة عن وجود الكلاب في الشوارع، وعلى رأسها مرض السعار، موضحًا أن خطورته تكمن في أنه مرض ليس له علاج ويؤدي إلى الوفاة حتما.

بينما اليوم تشير بعض الدراسات إلى أن العدد وصل إلى 40 مليون كلب ضال تقريبا في شوارع مصر، والرقم معرض للمضاعفة لأربع مرات بسبب التناسل وحمل وولادة الجراء 3 مرات في العام الواحد، ووفقا لأحدث البيانات الرسمية الصادرة عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء في نهاية عام 2025، يبلغ عدد الأطفال في مصر (أقل من 18 عامًا) 39.7 مليون طفل، فنحن عمليًا أمام مشهد مرعب: أي أننا أمام نسبة تقريبية بمعدل كلب ضال/طفل، يهدده في الطريق العام بالمطاردة أو العقر أو الرعب النفسي، أو الهروب من الخوف ليلقى حتفه دهسا تحت عجل السيارات؟!

أي مجتمع يقبل أن ينشأ أطفاله وهم يتعلمون الخوف من الشارع قبل أن يتعلموا الأمان فيه؟! أي منطق يجعل الطفل يخرج إلى مدرسته أو درسه أو حتى لشراء شيء بسيط من آخر الشارع، وهو مهدد، إن الأمر تحول إلى اعتداء يومي على إحساس الناس بالأمان، وعلى حق الطفل الطبيعي في السير في الطريق العام دون خوف.

والثابت علميا أن كلاب الشوارع (الكلاب الضالة) وتجمعاتها تشكل في الأحياء السكنية (مثل منطقة البساتين على سبيل المثال) مخاطر بيئية وصحية جسيمة، حيث يؤدي تراكم فضلاتها وبقايا الطعام إلى نقل الأمراض المعدية، وانتشار الحشرات، وتلويث الهواء، ومعروف أن (البراز)في الكلاب يحتوي على بكتيريا خطيرة مثل السالمونيلا والإشريكية القولونية، والتي تسبب النزلات المعوية الحادة والتسمم الغذائي للإنسان عند ملامسة الأسطح الملوثة، كما تنقل فضلات الكلاب طفيليات معوية خطيرة (مثل الديدان الخطافية والأسطوانية)، والتي تخترق جلد الإنسان وتسبب حكة شديدة، أو قد تنتقل لأعضاء الجسم الداخلية.

أما المخاطر الصحية لبول الكلاب والتي تلوث التربة والمياه، فهي عديدة، حيث ينقل بول الكلاب بكتيريا تُسمى البَرِيمِيَّات، وهي عدوى تنتقل للبشر عند ملامسة التربة أو المياه الراكدة الملوثة ببول الكلاب، وتؤدي إلى تلف الكلى ومشكلات كبدية.

كما أن جفاف البول وتطايره في الشوارع، يعد من مسببات الحساسية، مما يفاقم أزمات الربو ومشاكل الجهاز التنفسي خاصة لدى الأطفال وكبار السن.

أما الطعام الذي يقدم لهذه الكلاب في الطرقات العامة، وما يخلفه من فضلات وبقايا، يمثل بيئة خصبة للحشرات، ويساهم بشكل مباشر في تكاثر الذباب، والبعوض، والقوارض، وهي نواقل رئيسية لأمراض خطيرة، كما أن إطعام إطعام الكلاب في الشوارع بشكل عشوائي يغير سلوكها، فتفقد غريزتها الطبيعية في البحث عن الطعام، وتتجمع في قطيع بأعداد كبيرة دفاعًا عن "مناطق النفوذ"، مما يعرض المارة لخطر العقر والمطاردة، وهذا بخلاف أن تحلل الطعام المتبقي والفضلات ينتج عنه روائح منفرة تجذب المزيد من الحيوانات الضالة للمنطقة.

ثم قرأت مقالا لأحد أساتذة الطب البيطري، يتساءل فيه: لماذا تأكل الكلاب الضالة بعضها بعضًا؟ ولماذا هذا التغير السلوكي الملحوظ والعنف المفرط والتوحش الذي تم رصده وتوثيقه بالعديد من الفيديوهات على السوشيال ميديا، والذي وصل الي حد اكل الكلاب بعضها بعضًا احياء في بعض الأحيان، او اكل القطط أحياء، بخلاف الهجوم وعقر اعداد كبيره من البشر في وقت واحد، ولماذا هذا النشاط والنباح المستمر، وما يثير الدهشة هو أن نفس الكلاب تكون لطيفة بشكل مبالغ فيه مع من يطعمونها فقط، وأن اعداد الضحايا تضاعفت خلال وقت قياسي من ٣٠٠ ألف حالة عقر في 2023م الي 1.4 مليون في عام 2025م.

وذكر الطبيب المتخصص أن لديه معلومات عن وجود مواد معينة يتم إضافتها لأكل الكلاب، ظنا منهم انها تجعل الكلاب أكثر صحة وخصوبة وتحميهم من التسمم، ولكن وبعد البحث عن تأثير تلك المواد، تبين على حد قول الباحث انها تقوم بتغيير مستويات بعض الهرمونات المهمة للاستقرار النفسي للكلاب (مثل السيروتونين) أو كما يطلق عليه هرمون الاستقرار، و(الدوبامين) أو كما يطلق عليه هرمون الاندفاع، وأن تغيير تلك المستويات والتوازن بنسب معينة يؤدي الي اعراض تشبه كثيرًا ما نراه في شوارعنا اليوم من الكلاب الضالة كالعدوانية التنافسية وفقدان السيطرة علي الانفعالات، والنشاط المفرط والاندفاع، والسلوكيات التكرارية كالنباح المستمر، مما تتحول معه الكلاب الضالة إلى وحوش مفترسة غير مستقرة نفسيا وعصبيا، تميل للعقر والنباح، ثم ينقلبون الي ما يشبه الذئاب التي تفترس الأطفال وتصطادهم يوميا في قري ومدن مصر.

ولم تتوقف أضرار الكلاب الضالة عند الخوف والعقر ونقل الأمراض فقط، بل امتدت لتطال ممتلكات المواطنين وسياراتهم بصورة يومية باتت مألوفة في كثير من الشوارع والأحياء، فكم من مواطن استيقظ ليجد آثار أقدام وخدوش فوق سقف سيارته وزجاجها بعد أن تحولت السيارات لأسطح تقفز فوقها الكلاب ليلًا؟ وكم من أغطية سيارات تم تمزيقها بالكامل، وإطارات تعرضت للقضم أو الإتلاف، وأجزاء مطاطية واكصدامات تضررت بسبب تجمعات الكلاب حول المركبات؟!

هذه ليست وقائع فردية نادرة، بل خسائر متكررة يتحملها المواطن وحده من ماله وأعصابه، في ظل غياب أي تعويض أو حتى اعتراف رسمي بحجم المشكلة، وحين تصبح السيارة المتوقفة أمام منزل صاحبها عرضة للتلف اليومي، فنحن لا نتحدث فقط عن ظاهرة حيوانية، بل عن اعتداء مستمر على ممتلكات الناس وجودة حياتهم وإحساسهم بالأمان والاستقرار.

لقد أحدثت قضية الكلاب الضالة انقسامًا اجتماعيًا حادًا داخل المجتمع المصري، بين أغلبية واسعة ترى أن وجود هذه الكلاب في الشوارع خطر يومي على الأمن والصحة العامة، وبين أقلية ترفع شعارات حقوق الحيوان وتمارس عبر منصاتها الإعلامية والسوشيال ميديا ضغوطًا مستمرة على الدولة والمجتمع من أجل الإبقاء على الوضع القائم، وكأن المطلوب من الناس أن تتعايش مع الخوف والعقر والأضرار باعتبارها ثمنًا للتحضر والرحمة.

والمشكلة أن هذا الانقسام لم يعد مجرد اختلاف في الرأي، بل تحول في بعض المناطق إلى حالة فتنة اجتماعية حقيقية، ونوع جديد من الاستقطاب الحاد الذي يفسد العلاقات بين الجيران ويزرع الكراهية اليومية بينهم، واليوم قد يتشاجر الجار مع جاره بسبب إطعام الكلاب أسفل العقار، وقد يستدعي أحدهما الشرطة للآخر، وقد تنهار علاقات إنسانية قديمة لأن أحد الطرفين يرى في الكلاب خطرًا يهدد أبناءه وممتلكاته،.....

لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه


هذا المحتوى مقدم من صحيفة الدستور المصرية

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من صحيفة الدستور المصرية

منذ 11 ساعة
منذ 8 ساعات
منذ 11 ساعة
منذ 10 ساعات
منذ 6 ساعات
منذ ساعتين
صحيفة اليوم السابع منذ 6 ساعات
صحيفة المصري اليوم منذ 12 ساعة
صحيفة المصري اليوم منذ ساعتين
موقع صدى البلد منذ 9 ساعات
بوابة أخبار اليوم منذ 13 ساعة
صحيفة اليوم السابع منذ 19 ساعة
صحيفة المصري اليوم منذ 9 ساعات
صحيفة المصري اليوم منذ ساعة