كيف سيُذكر إرث جيروم باول في تاريخ الفيدرالي؟

ثمّة لحظة في عهد كل رئيس لمجلس الاحتياطي الفيدرالي، تصبح عنواناً لإرثه. وبالنسبة إلى جيروم باول، تلك اللحظة كانت جائحة كورونا.

فقد اندفع سريعاً لتحقيق الاستقرار الاقتصادي، لكنه تأخر في مواجهة موجة التضخم، قبل أن يُصحّح مساره بشدة حين اتضحت المشكلة. ومع ذلك، لا يزال الجدل قائماً حول ما إذا كان قد قام بما يكفي لإعادة التضخم إلى المستهدف.

يرى البعض أن باول نجح في تحقيق "هبوط ناعم" للاقتصاد بعد واحدة من أعنف دورات التشديد النقدي في التاريخ، إلا أن هذا التقييم يقوّضه بقاء التضخم فوق مستهدف 2% على مدى السنوات الخمس الماضية.

كما شكّل أسلوب باول القيادي سمةً بارزةً خلال فترة ولايته، فهو يميل إلى بناء التوافقات، ويعتمد لغةً مباشرةً، ويدافع بقوة عن المؤسسة. وهي صفات تميّزه عن خلفه كيفن وارش، الذي يُحبّذ استخدام تعبيرات أكثر غموضاً، ويتعهد بإجراء تغييرات واسعة.

هل مهّد باول الطريق لوارش؟ ثمة انتقاد ظل يلاحق باول طوال فترة ولايته، فميله إلى حماية الاحتياطي الفيدرالي من الانتقادات الخارجية، يُظهرها مثلاً اكتفاؤه بمراجعة محدودة لأسباب إخفاق البنك في توقع موجة التضخم خلال الجائحة، ربما أسهم في تصاعد الغضب السياسي والمطالب بتشديد المساءلة، ما مهّد في نهاية المطاف لوصول شخصية أكثر صدامية ومن خارج المؤسسة إلى قيادة البنك المركزي.

السردية السائدة هي أن باول كان مدافعاً ذكياً ووقوراً عن استقلالية الاحتياطي الفيدرالي في مواجهة هجمات شخصية وسياسية غير مبررة. وهذا التوصيف نتفق معه إلى حد كبير، إذ إن هجمات الرئيس الأميركي دونالد ترمب عبر وسائل التواصل الاجتماعي على رئيس البنك المركزي لم تكن في مصلحة أيٍّ منهما.

لكننا في المقابل، نرى أنه لو بادر الاحتياطي الفيدرالي بقيادة باول إلى مراجعة أخطائه الداخلية بعد الإخفاق الكبير في توقع التضخم بجدية أكبر، لما توفرت للمُنتقدين من خارج المؤسسة الدوافع والفرص لشنّ هجومهم.

بدأ جيروم باول مسيرته داخل الاحتياطي الفيدرالي عام 2012 عضواً في مجلس المحافظين، قبل أن يختاره دونالد ترمب لخلافة جانيت يلين في رئاسة البنك عام 2018. وفي 2022، جدّد الرئيس جو بايدن ولايته لفترة ثانية. وبذلك، أمضى باول 14 عاماً ضمن اللجنة الفيدرالية للسوق المفتوحة، بينها 8 سنوات رئيساً للاحتياطي الفيدرالي، في واحدة من أطول فترات الخدمة داخل المجلس بعد آلان غرينسبان وجانيت يلين، إذا احتُسبت مناصبها الأخرى داخل اللجنة.

نرى أن فترة باول على رأس الاحتياطي الفيدرالي تميزت بثلاث سمات رئيسية:

القرارات القائمة على التوافق: بلغ متوسط عدد المعارضين لقرارات الفائدة خلال الاجتماعات التي ترأسها باول 0.4 عضو فقط، وهو أدنى مستوى لأي رئيس للجنة الفيدرالية للسوق المفتوحة منذ عهد آرثر بيرنز في سبعينيات القرن الماضي.

الاستجابة للتوجهات الاقتصادية السائدة: اتبع الاحتياطي الفيدرالي بقيادة باول إلى حد كبير الأفكار الاقتصادية المهيمنة، مثل السماح للاقتصاد بالعمل بوتيرة مرتفعة، والتركيز على الأضرار التي لحقت بسوق العمل، إضافة إلى أثر الهجرة في زيادة المعروض من العمالة. وبلغ هذا التوجه ذروته مع اعتماد إطار "استهداف متوسط التضخم المرن" (FAIT)، إلى جانب توسيع تفويض البنك ليشمل تحقيق توظيف "أكثر شمولاً".

التصحيح السريع للمسار: بعدما تأخر الاحتياطي الفيدرالي في احتواء التضخم الناجم عن الجائحة، قاد باول البنك خلال دورة تشديد نقدي سريعة رفع فيها أسعار الفائدة بمقدار 525 نقطة أساس بين 2022 و2023، قبل أن يغير الاتجاه مجدداً عبر خفض كبير للفائدة بمقدار 50 نقطة أساس في 2024. وأظهر ذلك استعداد باول لتعديل السياسة النقدية بسرعة، مع إعطاء أولوية للمخاطر التي تتهدد سوق العمل.

رئيس توافقي للجنة الفيدرالية للسوق المفتوحة لكن أسلوب باول القائم على التوافق لم يُحقق دائماً النتائج المرجوة. فاعتماد نهج توافقي في صنع القرار ربما جعل استجابة الاحتياطي الفيدرالي أكثر بطئاً وتدرجاً مما كان ينبغي. كما أسهم تبني إطار "استهداف متوسط التضخم المرن" في تأخير تشديد السياسة النقدية، ما أدى إلى ارتفاع مستوى الأسعار وأثار اتهامات بالانحياز السياسي. كذلك، يثير التحول السريع نحو خفض الفائدة مخاوف من عدم استكمال مهمة كبح التضخم بالكامل.

ومن أبرز النقاط الإيجابية في إرث باول نجاحه في خفض معدل تضخم نفقات الاستهلاك الشخصي الأساسي من ذروته البالغة 5.6% خلال الجائحة إلى 2.6%، من دون تكبيد سوق العمل خسائر كبيرة. ويستطيع داعموه القول إنه حقق "هبوطاً ناعماً" طالما بدا بعيد المنال، على غرار ما فعله آلان غرينسبان في تسعينيات القرن الماضي.

وثمة أوجه تشابه أيضاً بين باول وآرثر بيرنز في طريقة التعامل مع التضخم، الذي بقي فوق المستهدف طوال خمس سنوات. يغادر باول منصبه مع ثالث أعلى معدل تضخم بين رؤساء الاحتياطي الفيدرالي السابقين، في وقت تهدد فيه حرب إيران بدفع الأسعار إلى مستويات أعلى.

كل ذلك يطرح السؤال حول إذا ما كان من المبكر اعتبار نهج باول قصة نجاح.

الخلاصة: سيُذكر جيروم باول بوصفه الرجل الذي قاد الاقتصاد الأميركي لعبور صدمة الجائحة، ثم صحح لاحقاً خطأ التعامل مع التضخم.

لكن ما إذا كان قد أنجز حقاً المهمة المتعلقة بالتضخم فهو سؤال لا يزال من دون جواب. كما أن محدودية جهوده في تعزيز المساءلة داخل الاحتياطي الفيدرالي، مثل إجراء مراجعة شاملة لآليات التوقع والتقدير، فتحت الباب أمام صعود شخصية أكثر تشدداً ومن خارج المؤسسة مثل كيفن وارش، الذي تعهد بـ"كسر رؤوس معارضيه" في الاحتياطي الفيدرالي.

أمّا العبرة من هذه القصة فلعّلها: إما أن تُرتب بيتك الداخلي بنفسك، أو سيأتي من يفعل ذلك بدلاً عنك.

استجابة كبيرة وربما مفرطة للتوجهات الاقتصادية السائدة خلال فترة باول، غالباً ما انسجمت سياسات الاحتياطي الفيدرالي مع الأفكار الاقتصادية والسياسية المهيمنة. ففي 2018 و2019، تبنى البنك نهج السماح للاقتصاد بالعمل بوتيرة مرتفعة بعد سنوات من التضخم المنخفض. وبين 2021 و2022، تركز الاهتمام على الأضرار التي خلفتها جائحة كورونا في سوق العمل، بينما رأى بعض المسؤولين في 2023 و2024 أن الهجرة ساهمت في توسيع المعروض من العمالة، ما خفف الحاجة إلى مزيد من التشديد النقدي.

قد تُساعد هذه الاستجابة في حماية استقلالية الاحتياطي الفيدرالي، لكنها تنطوي أيضاً على خطر الوقوع في "التفكير الجمعي"، خصوصاً مع تبدل طريقة التفكير من إدارة إلى أخرى.

ويبرز المثال الأوضح على ذلك في مراجعة إطار السياسة النقدية.....

لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه


هذا المحتوى مقدم من اقتصاد الشرق مع Bloomberg

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من اقتصاد الشرق مع Bloomberg

منذ ساعتين
منذ 6 ساعات
منذ ساعة
منذ ساعة
منذ ساعة
منذ 11 ساعة
صحيفة الاقتصادية منذ 20 ساعة
قناة CNBC عربية منذ 12 ساعة
صحيفة الاقتصادية منذ 15 ساعة
صحيفة الاقتصادية منذ 15 ساعة
اقتصاد الشرق مع Bloomberg منذ 14 ساعة
اقتصاد الشرق مع Bloomberg منذ 12 ساعة
قناة CNBC عربية منذ 13 ساعة
قناة CNBC عربية منذ 17 ساعة