الحج بين الشوق والحنين: كيف صوّرت الأغنية الشعبية المصرية تفاصيل "المغامرة الكبرى"؟

مصدر الصورة: Getty Images

على الرغم من مرور أكثر من نصف قرن على عصر "المَحمَل المصري" الذي كان يحمل كسوة الكعبة إلى مكة، إلا أن خيوط الذهب التي كان يحيك بها المصريون هذه الكسوة التي كانت تتوّج قافلة الحجاج آنذاك، لا تزال حتى يومنا هذا تغزل مواويل عشق على أنوال قلوبهم التي تهفو إلى أرض الحجاز.

يا رايحين للنبي الغالي .. هنيالكم وعُقبالي

وحين وقفت الفنانة ليلى مراد تودع الفنان زكي رستم الذاهب لأداء فريضة الحج بأغنيتها الشهيرة في فيلم "ليلى بنت الأكابر"، لم يكن غناؤها محض تنفيذٍ لرغبتها التي حُكِي عنها لعدم تمكنها من أداء الفريضة في ذلك العام، ولا لمجرد نفي شائعات حول عقيدتها وانتمائها.

فإلى جانب ما سبق، استطاع رياض السنباطي بأوتار عوده نسج ألحان صوفية على مقام "راحة الأرواح" الذي يحمل في طياته الشجن الرقيق، لتلحق الأغنية بركب قافلة "حُنون الحجاج" في درب سارت عليه أفئدة المصريين منذ مئات السنين.

والحُنون أو التحنّن كما عرّفه الدكتور محمد رجب النجار، الكاتب والأكاديمي المتخصص في الأدب الشعبي، هو "الغناء بصوت حزين ونغمات ممدودة كالآهات"، فيما يوحي بالحزن لفراق الأحباب الذين سيسافرون إلى بلاد الحجاز، وفي تأجيج لنار الشوق والحنين لزيارة ضريح النبي.

ولربما حازت أغنية ليلى مراد شهرة واسعة لكونها في إطار فيلم سينمائي، ولأنها كانت بالعامية المصرية، لكن هناك من سبقها وتلاها من كبار مطربي عصرها، في تهافت على التعبير عن هذا الحنين إلى أرض الحرمين.

فلم يكن لأم كلثوم أن تفوّت هذه المناسبة الجليلة دون أن تترك عطراً منها، لتغني قصيدة "إلى عرفاتِ الله"، وشارك محمد فوزي في هذا الموسم الإيماني بتلبية أبي نُوَاس وبتهنئة العائدين من مكة، وسبقتهما أسمهان في احتفاء بالمحمل المصري في رائعتها "عليك صلاة الله وسلامه".

وظلت هذه الأغنيات وغيرها لمطربين آخرين تُذاع في الإذاعة والتلفزيون؛ إلا أن الأغنية الشعبية أثبتت وجودها في الشارع المصري دون أن يكترث أصحابها بأن تجاز أغنياتهم من جهات البث الرسمية، لتتناقلها الألسنة من قرية إلى قرية.

"رايحة فين يا حاجة؟!" يقول الأديب المصري الراحل خيري شلبي في مقدمة كتاب عن فولكلور الحج، إن أغنيات هذه الشعيرة الإسلامية متأصلة في التراث الموسيقي الديني لدى المصريين، في "إبداع شعبي عام، تنتجه السليقة المصرية المرتبطة بالدين ارتباطاً وثيقاً".

ويضيف أن الاحتفال بالحج "طقس مصري خالص رسخته الطرق الصوفية المصرية التي كان لها باعٌ طويل في استخدام الموسيقى لتوصيل الإنسان إلى مرحلة الوجد الصوفي وترقيق مشاعره"، بل إن شلبي يعتقد أن الغناء الديني في أصله مصري.

رايحة فين يا حاجة .. يا ام شال قطيفة

رايحة ازور النبي محمد .. والكعبة الشريفة

ويرى الدكتور مسعود شومان، المتخصص في الدراسات الشعبية، أن هذا النسق الشعري الرباعي والبناء الموسيقي للأيقونة الشعبية المتوارثة وغيرها من الأغنيات التي لا تزال تتردد على ألسنة المصريين حتى يومنا هذا، "نسق قديم ربما يعود لقدم ذهاب المصريين إلى الحج"، منذ أكثر من 1000 عام.

هذا اللون الغنائي الشعبي يتسم بمسحة من الشجن، ربما لأنه يمثل "طقس عبور من زمان لزمان، ومن مكان لمكان، ومن حال إنسانية إلى أخرى".

ويشرح شومان لبي بي سي عربي فلسفة الشجن الشديد، بأن المسافر يودع حياة سيغادرها ويتحول عنها ليعود إنساناً جديداً، فيما يشبه أيضا الحال في يوم "الصباحية"، اليوم التالي للزواج، بعد توديع حياة العزوبية إلى حياة جديدة.

وقرن شومان الحالتين السابقتين أيضاً بـ"العَديد"، وهو فن شعبي لرثاء الموتى، والحالات الثلاث في اعتقاده تعد طقوسَ عبور من حال إلى حال وتتطلب الشجن.

ويقول الدكتور محمد رجب النجار في دراسته (فولكلور الحج: الأغنية الشعبية نموذجاً)، أن "حُنون الحجاج" أغنيات تتكون في الغالب من سطرين أو شطرين بنفس الوزن والقافية، وتتسم بالتكرار اللفظي والتماثل البنيوي الأدبي واللحني، مع بساطة "مفرداتها الشعبية"، ما يجعل الأغنية مألوفة يسهل حفظها وترديدها.

هذه البساطة في الشكل الغنائي، تجعل من السهل على المؤدي الموهوب استنساخ الأغنيات ارتجالاً، وأن يؤلف على منوالها الكثير من النصوص، التي لا يتجلى جمالها إلا من خلال الأداء الحي.

وكان مؤدي هذه الأغاني يتوقف بين كل أغنية وأخرى ليصدح بموال عاطفي يُلهب المشاعر تشويقاً إلى زيارة مكة والمدينة، أو داعياً إلى التوبة، أو ناصحاً ببر الوالدين وحسن معاملة الجار.

ومن اللافت للنظر أن أغاني الحج لدى المسيحيين في مصر، "تشبه إلى حد بعيد في بنيتها الأدبية والموسيقية أغاني الحج الإسلامية"، بحسب الدكتور النجار.

على فين يا مقدّسة .. بتوبك القطيفة؟!

رايحه أزور المسيح .. وأعول الضعيفة

ولا يخفى مدى التشابه الشديد بين البيتين السابقين وبين أغنية "رايحة فين يا حاجة" مع بعض التصرّف، في دلالة على وحدة الموروث الشعبي المصري.

نادينى بصوتك يا مسيح ناديني

خاطري أنا أزورك وافرد يميني

خاطري أزورك يا دير النصارى

أفرد دراعي وادق الإشارة

ومع ذلك، فإنه يقول إن أغنيات الحج المسيحية التي تُعرف بـ(أغاني القدس) "توشك على الاندثار"، نتيجة توقف هذه الرحلة إلى مهد السيد المسيح بأمرٍ من الكنيسة المصرية، بعد احتلال القدس الشرقية عام 1967م.

"افتحي البوابة يا فاطمة!" قبل عصر وسائل المواصلات الحديثة، كان عدد الحجيج من الرجال في كل قرية مصرية لا يتجاوز أصابع اليد الواحدة، أما عدد النساء فكان محدوداً للغاية، ويكاد يقتصر الحج على كبار السن، كما حكت لبي بي سي عربي أيقونة الغناء الشعبي في مصر فاطمة عيد، التي لاقت أغنيتها "رايحة فين يا حاجة" شعبية واسعة في عصرنا اليوم.

ويذكر النجار، الحاصل على دكتوراة الفلسفة في الآداب الشعبية من جامعة القاهرة، أن الحاج قبل سفره بيوم أو اثنين، كان يخرج في زفة مرتدياً أفضل ثيابه، راكباً فوق حصان مزين يملكه أو يستعيره من أحد أعيان القرية، وأمامه البيارق "الأعلام" والطبل، وحوله أهله وأصدقاؤه.

وكان يمر في شوارع القرية التي تزدان بالرايات والأنوار، ويتخلل هذه الجولة رقص شعبي كالتحطيب، وإطلاق النيران من البنادق.

وإذا ما قررت إحدى النساء الحج، كانت ترتدي ثياباً بيضاء، ويُحتفى بها في منزلها بين النساء فقط، وأمام دارها في القرية، بحسب الفنانة فاطمة عيد، ويصبح هذا الخبر حديث الساعة في القرية، ومن ثم تكون "الحاجة" موضع احتفاء شديد تعكسه أغنيات الحج.

ومن هنا يتجلى سبب احتفاء الأغاني الشعبية بالمرأة الحاجة أكثر من الرجل، بحسب النجار، موضحاً أن "هذه الأغاني هي في أساسها ونشأتها شكل غنائي نسوي الأصل، تؤديه وتتلقاه النساء فقط على نحو جماعي، كما هو الحال في الأغاني الشعبية للأفراح".

ويضيف أستاذ الفولكلور الشعبي في دراسته أن هذا هو السبب الذي يفسر أن معظم أغاني الحج أو التحنين موجهة للنساء، "وتحمل معظمها ضمير المخاطب أو الغائب المؤنث".

ويوضح شومان لبي بي سي أن هناك رجالاً غنوا لرحلة الحج "لكن بشكل احترافي"، أما الشكل الفولكلوري الشعبي فمعظمه للسيدات اللائي يأتنسن بهذا الغناء فيما بينهُنّ.

وكثيراً ما تخاطب أغنيات الحج الشعبية للنساء السيدة فاطمة ابنة النبي محمد الذي يُلقّب بـ"التهامي"، نسبة إلى سهل تِهامة المحاذي للبحر الأحمر.

يا فاطمة يا فاطمة

يا بنت التِّهامي

افتحي البوابة يا فاطمة

أبوكي دعاني

وتقول الفنانة فاطمة عيد، لبي بي سي، إن جميع نساء قريتها "القنايات" بمحافظة الشرقية، كن يشتركن في الغناء للمسافر إلى الحج، في احتفاء يستمر أسبوعاً قبل السفر، ثم يُستأنف بعد عودته فَرَحاً بسلامته واكتسابه لقب "حاج" رسمياً.

وتضيف أن العادة آنذاك جرت على توديع المسافر إلى القطار المتجه إلى ميناء مدينة السويس حيث يُسافر الحجاج على متن باخرتين مصريتين شهيرتين هما: زمزم والكوثر.

"يا وابور النبي" كان القطار يسمى قديماً في مصر "وابور"، أو "بابور"، تمصيراً للكلمة الفرنسية vapour التي تعني البخار، والتي تشير إلى القطار الذي كان يعمل بالبخار آنذاك.

وكان المصريون يطلقون على القطارات والبواخر الخاصة بنقل الحجاج "قطار النبي" و "باخرة النبي"، في إشارة إلى مقصدها لزيارة النبي محمد.

يا وابور النبي يا أحمر يا دُومي

من يوم ما هويت النبي صحاني من نومي

يا وابور السفر.. ما توقّف شوية

خلّي أبويا الغالي.. يسلّم عليا

ويذكر الدكتور النجار أن قطار الحج كان يُزين بالأعلام والرايات وجريد النخل الأخضر، ويمر على محطات القرى الكبرى لأخذ الحجاج إلى.....

لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه


هذا المحتوى مقدم من بي بي سي عربي

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من بي بي سي عربي

منذ 34 دقيقة
منذ 4 ساعات
منذ 10 ساعات
منذ 5 ساعات
قناة روسيا اليوم منذ 7 ساعات
صحيفة الشرق الأوسط منذ 16 ساعة
سي ان ان بالعربية منذ 14 ساعة
قناة روسيا اليوم منذ 11 ساعة
قناة روسيا اليوم منذ 19 ساعة
بي بي سي عربي منذ 19 ساعة
سي ان ان بالعربية منذ 6 ساعات
سي ان ان بالعربية منذ 18 ساعة