الفعل الثّقافي لسلطنة عُمان.. رحلةُ الانتقال من التّوثيق التّاريخي إلى التّنافسيّة العالميّة

مسقط في 17 مايو 2026 / العُمانية/ لم يعد الفعل الثقافي العُماني مجرد استذكار للتراث المادي وغير المادي، إذ تحوّل إلى صناعة فكرية إبداعية تتطلع للمنافسة الدولية. ومن هذا المنطلق، تواصل سلطنة عُمان استثمار شراكاتها مع المؤسسات العالمية، وفي مقدمتها اليونسكو، لترسيخ حضورها كقوة حضارية ذات تأثير نوعي، ما يعكس عمق التجربة العُمانية الممتدة بجذورها في المشهد الثقافي العالمي المعاصر. وفي هذا السياق يتحدث عددٌ من المختصين عن الرؤية المؤسّسية الرّامية لتحويل التّراث العُماني من إطار التوثيق المحلي إلى منصة للتواصل الحضاري عبر اليونسكو -على سبيل المثال لا الحصر-، والمرتكزات التي جعلت من الملفات العُمانية معيارًا دوليًّا للاحترافية يعكس دقة التنظيم وجودة الأداء الثقافي، وما يمكن العمل عليه من خلال المؤسسات الثقافية لتحويل الفنون والحرف من قوالبها التقليدية إلى منتجات إبداعية تخاطب وجدان الأجيال عالميًّا، وضمان استمرار التراث كفعل إبداعي مستدام يعزز مكانة المثقف العُماني دوليًّا، وما قدّمه أيضا الوجه المشرق للمنجز الثقافي العُماني للعالم بصورة تليق بعراقة عُمان والسّبل الكفيلة بترسيخ هذا الوعي الجمالي ليكون حافزًا في نشر ثقافة الابتكار المستمد من أصالة التراث المادي وغير المادي، إضافة إلى المنهجية العلمية التي اتبعتها سلطنة عُمان لتحويل عناصر التراث من مجرد شواهد تاريخيّة إلى صناعة حيويّة، وما يمكن أن تقدمه البحوث من أجل حماية الأصالة والدراسات الثقافية العُمانية من مخاطر الاستنساخ في ظل الانفتاح الثقافي العالمي. في البداية قالت سعادةُ السّفيرة آمنة بنت سالم البلوشي، المندوبةُ الدّائمة لسلطنة عُمان لدى اليونسكو إن الحضور العُماني في منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) شكل نموذجًا ملفتًا في توظيف الرؤية المؤسسية لتحويل التراث من نطاق محلي إلى منصة عالمية للحوار الحضاري. واعتمدت سلطنةُ عُمان نهجًا استراتيجيًّا قائمًا على التكامل بين المؤسسات الثقافية والبحث العلمي والدبلوماسية الثقافية، ما أتاح تقديم ملفات تراثية لا تكتفي بالسرد التاريخي، بل تُبرز القيم الإنسانية المشتركة الكامنة في هذا التراث. ويتجلى ذلك في تسجيل مواقع مثل قلعة بهلا ومواقع أرض اللبان ضمن قائمة التراث العالمي، بوصفها شواهد على عمق التفاعل الحضاري لعُمان عبر التاريخ. وأضافت أن هذا التحول جاء نتيجة تنظيم مؤسّسي دقيق قائم على وضوح الأدوار وتنسيق الجهود واعتماد منهجيّات علميّة صارمة في التوثيق والتحقيق. كما لعب الاستثمار في الكفاءات الوطنية دورًا محوريًّا في إعداد فرق متخصّصة قادرة على صياغة ملفات تستوفي المعايير الدولية من حيث الدّقة والشّمول والبعد الإنساني. وقد برز ذلك في ملف الأفلاج العُمانية، الذي قُدم باعتباره نموذجًا حضاريًّا للإدارة المستدامة للمياه. وأكد في سياق حديثها على أن سلطنة عُمان أولت اهتمامًا بإشراك الشباب في مشروعات التراث والثقافة عبر التدريب والتوثيق الرقمي والبرامج التعليمية، انطلاقًا من قناعة بأن استدامة التراث ترتبط بقدرة الأجيال الجديدة على فهمه وتطوير حضوره المعاصر، موضحة أنه على مستوى التأثير العالمي، نجحت سلطنة عُمان في تقديم تراثها كونه جسرًا للتواصل بين الثقافات من خلال التركيز على قيم التسامح والتعايش والتبادل الحضاري، بما ينسجم مع رسالة اليونسكو. وأشارت إلى أن هذا الحضور تعزز عبر تسجيل عناصر من التراث غير المادي مثل فن العازي و المهارات الحرفية والممارسات الاجتماعية المرتبطة بالخنجر، وتُوّج أخيرا باعتماد منظمة اليونسكو جائزة اليونسكو-السُّلطان هيثم لصون التراث الثقافي غير المادي، التي تعكس التزام سلطنة عُمان بدعم الجهود الدوليّة لحماية وصون التراث الثقافي غير المادي وتعزيز دوره في ترسيخ الهُوية والحوار بين الثقافات. وفي المحصلة، يبرز النموذج العُماني دليلًا على أن الإدارة المؤسّسية الفاعلة، حين تقترن برؤية ثقافية وشاملة، قادرة على تحويل التراث إلى أداة للتفاهم الإنساني وبناء الجسور بين الشعوب والأجيال. أما الأستاذ الدكتور محمد بن علي البلوشي رئيس مجلس إدارة النادي الثقافي فقد أكد على أن الانتقال بالفعل الثقافي من صبغته الصميمية كمستودعٍ للذاكرة إلى طاقةٍ منتجةٍ للمعنى والقيمة، ينبع من جوهر الثقافة الذي ينطوي على إمكانية تحويله إلى أفقٍ مفتوحٍ على إمكانات الابتكار والتجديد. والفنون والحرف العُمانية، بما تختزنه من تراكمات تاريخيّة ورمزيّة، ليست كيانات ساكنة، بل هي أنظمة دلاليّة حيّة قابلة لإعادة التأويل وإعادة التشكيل ضمن سياقات معاصرة. ومن هنا، فإن تحويلها إلى منتجات إبداعيّة متجدّدة لا يتحقّق عبر القطيعة مع الأصل، بل عبر حوارٍ خلاق معه؛ حوار يعيد اكتشاف الوظائف الجمالية والمعرفية لهذه الفنون، ويمنحها لغةً جديدة تخاطب وجدان الأجيال الشابة عالميًّا. ووضح أنّ المؤسّسات الثقافية مطالبة اليوم بأن تتجاوز دورها التقليدي في الحفظ والعرض، لتصبح منصات إنتاج معرفي وإبداعي، تُفعِّل أدوات التصميم، والتقنيات الرقمية، والسرديات البصرية، وتربط الحرف التقليدية باقتصادات الإبداع المعاصر. فالحرفة حين تُدمج في منظومات التصميم الحديث، أو تُروى قصتها عبر وسائط رقمية تفاعلية، أو تُستثمر في صناعات ثقافية كالأزياء، والأفلام، والألعاب، فإنها تستعيد حيويتها، وتتحول من موروث إلى مشروع. وأضاف أن سلطنة عُمان تبرز في كونها نموذجًا مُتوازنًا في إدارة هذا التحول؛ إذ لم تنظر إلى التراث باعتباره عبئًا على الحداثة، بل قوة دافعة لها. وقد أسهم حضورها الفاعل في المحافل الدولية، وعلى رأسها منظمة اليونسكو، في ترسيخ هذا الفهم، حيث استطاعت أن توظّف هذه المنصّات لا فقط لتسجيل عناصر تراثها، بل لتقديم رؤية حضاريّة مُتكاملة حول العلاقة بين الثقافة والتنمية. وأشار أيضا إلى أن جائزة اليونسكو - السُّلطان هيثم لصون التراث الثقافي غير المادي التي أعلن عنها أخيرا - تأتي تجسيدًا رفيعًا لهذه الرؤية؛ فهي لا تكتفي بتكريم المبادرات، بل تؤسس لوعي عالمي جديد يعتبر التراث غير المادي موردًا استراتيجيًّا للتنمية المستدامة. وعلى الصعيد العُماني، يؤمل أن تسهم هذه الجائزة في تحفيز المؤسسات والأفراد على الابتكار في صون التراث، وتحويله إلى فعل إبداعي متجدد، يتجاوز حدود التوثيق إلى آفاق الإنتاج والتأثير. وأضاف أيضا أنه على مستوى الممارسة المؤسّسية، فإن النادي الثقافي يضطلع بدور محوري في هذا التحول، انطلاقًا من إيمانه بأن الثقافة لا تُصان إلا إذا أُعيد إنتاجها. ومن هذا المنطلق، يعمل النادي باستمرار على تنظيم حلقات عمل تكوينية إبداعية موجهة للشباب، تهدف إلى تمكينهم من إعادة قراءة الفنون والحرف التقليدية، وتحويلها إلى منتجات معاصرة قادرة على المنافسة، دون أن تفقد روحها أو هويتها. وفي هذا العام، أطلق النادي "جائزة صيرورة للصناعات الإبداعية"، وهي مبادرة نوعية تسعى إلى نقل الأفكار من حيز التأمل إلى فضاء الإنجاز، عبر دعم المبدعين في تطوير مشروعاتهم وتحويلها إلى منتجات قابلة للتداول. فالصيرورة هنا ليست مجرد عنوان، بل فلسفة عمل تقوم على اعتبار الإبداع عملية مستمرة من التحول والتجدد، لا تتوقف عند حدٍّ معين. وبين أنه ومع هذا الانفتاح على آفاق الابتكار، يدرك النادي الثقافي تمامًا حساسية التوازن بين الإبداع والأصالة؛ إذ إنّ الخطر الأكبر لا يكمن في الجمود، بل في التسليع الذي يفقد التراث عمقه ومعناه. وأكد على أن تكون كل مبادرة إبداعية منطلقة من فهم عميق للأصول الثقافية، وأن تُبنى على احترام السياقات التاريخية والرمزية، بحيث يظل التراث مصدر إلهام، لا مجرد مادة استهلاكية. وقال البلوشي إن استدامة التراث غير المادي كفعل إبداعي لا تتحقق إلا إذا أصبح جزءًا من وعي الأجيال الجديدة. وهذا يتطلب تعزيز الابتكار لدى الشباب في مختلف المجالات، الفنية والأدبية والفكرية، وتزويدهم بالأدوات التي تمكّنهم من التعبير عن ذواتهم من خلال هذا التراث، لا بمعزل عنه. وفي المحصلة، فإن المثقف العُماني، حين ينخرط في هذا الفضاء الإبداعي المتجدّد، لا يمثل ذاته فقط، بل يحمل معه سردية وطن بأكمله؛ سردية قادرة على أن تخاطب العالم بلغة إنسانية مشتركة، دون أن تفقد خصوصيتها. إن القوة الحقيقيّة تكمن في أن نكون عالميين من داخل محليتنا، ومبدعين من داخل ذاكرتنا. من جانبه قال الباحث في التاريخ الدكتور سليمّ بن محمد الهنائي إن قراءة المساهمة العمانية في إبراز المنجز الثقافي عبر منصة اليونسكو تنطلق من إدراك أنّ سلطنة عُمان لم تتعامل مع المنظمة الدولية في كونها مجرد جهة توثيق وتسجيل، بل بوصفها فضاءً حضاريًّا تُترجَم فيه الهُويّة الوطنيّة إلى خطاب إنساني مُتجاوزًا الحدود. فالمواقع العُمانية المسجّلة في قائمة التراث العالمي، من قلعة بُهلا إلى مواقع أرض اللبان، ومن أفلاج عُمان إلى مدافن بات والخطم والعين، ليست شواهد جامدة على فترة غابرة، بل هي رسائل فكرية حيّة تُقدّم النموذج العُماني في التعايش مع البيئة، وفي إدارة الموارد، وفي صياغة عمران متناغم مع طبيعة الأرض وذاكرة الإنسان. وبهذا المعنى يصبح كل موقع مسجّل بمثابة سفير صامت يحمل في تفاصيله المعمارية والاجتماعية فلسفة عُمانية شاملة في فهم العلاقة بين الإنسان والبيئة. وأضاف أنه لعلّ ما.....

لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه


هذا المحتوى مقدم من وكالة الأنباء العمانية

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من وكالة الأنباء العمانية

منذ ساعة
منذ ساعة
منذ 3 ساعات
منذ ساعة
منذ ساعتين
منذ ساعة
وكالة الأنباء العمانية منذ 3 ساعات
صحيفة الشبيبة منذ 5 ساعات
صحيفة الشبيبة منذ 5 ساعات
صحيفة الرؤية العمانية منذ 21 ساعة
صحيفة أثير الإلكترونية منذ 5 ساعات
صحيفة أثير الإلكترونية منذ 23 ساعة
صحيفة الشبيبة منذ 8 ساعات
إذاعة الوصال منذ 5 ساعات