جودة التعليم.. الواقع والمأمول. سالم البادي (أبو معن)

سالم البادي (أبو معن)

"جودة التعليم في عُمان ليست مجرد أرقام وتصنيفات، بل هي عهدٌ لاستعادة سيادة المعرفة؛ لنبني جيلًا يمتلك أدوات المستقبل بذكاء، ويتمسك بجذور الأرض بإباء".

وجودة التعليم التي ننشدها اليوم هي استنهاض لروح العلماء العُمانيين الذين برعوا في شتى العلوم حين كانت عُمان "تُصدر المعرفة" للعالم؛ فالتفوق العُماني ضارب في الجذور. واليوم نحن مطالبون بإعداد أجيال قادرة على توطين المعرفة وابتكارها، لتعود عُمان كما كانت رقمًا صعبًا في المعادلات العلمية الدولية. التقدم حق مشروع، والعالم لا يعترف بالشعارات؛ بل بالحقائق التي تثبت جدارة الأمم بالصدارة.

العالم اليوم لا يعترف بالشعارات، والحقائق الإحصائية هي المرآة التي تعكس جودة المنظومة التعليمية. عند تحليل المؤشرات الدولية لعامي 2024 و2025، نجد تباينًا يستوجب الوقوف والمراجعة:

أولًا: ترتيب جودة التعليم (مؤشر دافوس والمنتدى الاقتصادي العالمي)

تُشير البيانات إلى تأخر ملحوظ لسلطنة عُمان مقارنة بدول مجلس التعاون الخليجي؛ حيث جاءت عُمان في المركز العاشر عربيًا والمركز 107 عالميًا في مؤشر جودة التعليم لعام 2024. وهذا يُبرز الحاجة الماسّة لنقلة نوعية في المناهج وطرق التقييم لتجاوز هذا الفارق.

ثانيًا: الاختبارات الدولية (TIMSS PIRLS):

في آخر نتائج مسجلة لاختبارات "تيمز" للرياضيات والعلوم، حصلت عُمان على متوسط 431 نقطة في رياضيات الصف الرابع، وهو رقم يقل عن المتوسط الدولي البالغ 500 نقطة. ورغم التحسن الطفيف في الأداء العام، إلّا أن نسبة الطلاب الذين حققوا المعايير الدولية العالية لا تزال منخفضة، مما يعكس فجوة في مهارات التفكير العليا والتحليل العلمي لدى الناشئة.

ثالثًا: تصنيف الجامعات (QS World University Rankings)

في حين حققت جامعة السلطان قابوس قفزةً لتصل إلى المركز 334 عالميًا لعام 2026، إلا أن العدد الإجمالي للجامعات العُمانية في قائمة أفضل 500 جامعة عالميًا لا يزال محدودًا. المقارنة الإقليمية تظهر أن دولًا شقيقة تمتلك عددًا أكبر من الجامعات في مراكز متقدمة، مما يضعنا أمام تحدي رفع كفاءة البحث العلمي في كافة المؤسسات الأكاديمية.

رابعًا: الإنفاق مقابل المخرجات

تُعد سلطنة عُمان من بين أعلى الدول في "الإنفاق الحكومي لكل طالب"؛ حيث جاءت في المركز التاسع عالميًا في هذا المؤشر. ومع ذلك، فإن الفجوة تكمن في كفاءة هذا الإنفاق؛ إذ لم تترجم هذه الميزانيات الضخمة حتى الآن إلى مخرجات تعليمية تضع عُمان في المراكز الخمسين الأولى عالميًا في جودة التعليم الأساسي.

واستعراض هذه الأرقام ليس تقليلًا من الجهود، بل هو اعتراف بالواقع كأول خطوة للتقدم. والطموح العُماني المشروع يهدف إلى كسر هذه الأرقام واللحاق بالدول التي سبقتنا، ليس فقط بمحاكاتها، بل بالتفوق عليها من خلال استثمار "كفاءة الإنفاق" في تجويد مهارات المعلم وتحديث المناهج، لنعود صُناعًا للمعرفة كما كنا عبر التاريخ.

والحق في الطموح المشروع للتقدم على الدول التي سبقتنا يتطلب جرأة في اتخاذ القرارات وتحولًا جذريًا في آليات العمل.

ولتحقيق ذلك، نقترح الحلول المبتكرة التالية:

حوكمة الإنفاق التعليمي: بما أن سلطنة عُمان من بين الأعلى إنفاقًا عالميًا على الطالب، يجب توجيه هذه الميزانيات نحو "تحسين البيئة الصفية والبحث العلمي" بدلًا من المصاريف التشغيلية والإدارية البحتة، لضمان أثر مباشر على جودة مخرجات الطالب.

إعادة هيكلة إعداد المُعلم: رفع معايير القبول في كليات التربية، واعتماد نظام "الرخصة المهنية" للمعلم التي تُجدد بناءً على الكفاءة والابتكار وليس سنوات الخدمة فقط، مع توفير حوافز استثنائية للمتميزين.

المنافسة الدولية كمعيار: وضع هدف وطني ملزم للوصول إلى "المتوسط الدولي" (500 نقطة) في اختبارات تيمز وبيرلز خلال الدورة القادمة، وتكييف المناهج لتتوافق مع هذه المعايير العالمية دون المساس بالهوية.

تجسير الفجوة مع سوق العمل: التوسع في الشراكة مع القطاع الخاص لتصميم تخصصات مهنية وتقنية حديثة، لضمان أن يكون الخريج العُماني منتجًا ومساهمًا في الاقتصاد الوطني فور تخرجه.

التعليم القيمي الرقمي: تكثيف برامج "المواطنة الصالحة" التي تدمج بين أخلاقيات الدين واللغة وبين مهارات التعامل مع الفضاء الرقمي، لحماية أجيالنا من الانجراف الفكري وضمان ولائهم وانتمائهم.

وثمة طرق مبتكرة لرفع جودة التعليم عبر البحث العلمي:

1. إعادة تصميم المناهج على أساس "التعلم القائم على الاستقصاء" (Inquiry-Based Learning)، ويتضمن ذلك مشاريع التخرج المدرسية، من خلال إلغاء الاختبارات التقليدية في بعض المواد واستبدالها بحل مشكلات حقيقية عبر بحوث علمية مبسطة. بجانب منهجية البحث من الصفوف الأولى، مثل إدراج مهارات التفكير النقدي، وجمع البيانات، والتحليل الإحصائي ضمن المناهج الدراسية بشكل تصاعدي. إلى جانب ربط المناهج بالتحديات الوطنية، من خلال توجيه البحوث الطلابية لخدمة قضايا البيئة العُمانية كالأمن المائي، والطاقة المتجددة، والهيدروجين الأخضر.

2. ربط الترقيات الأكاديمية والوظيفية بالأثر التعليمي للبحوث:

وذلك من خلال مؤشر الأثر الصفي، عبر اشتراط تطبيق نتائج البحوث الأكاديمية التي يجريها المعلمون وأعضاء هيئة التدريس لتطوير طرق تدريسهم الفعلي. وتوأمة المدارس والجامعات، من خلال إلزام أساتذة الجامعات بالإشراف على مشاريع بحثية لطلبة المدارس كجزء من تقييم أدائهم السنوي. علاوة على مكافآت النشر الدولي، ويتمثل ذلك في ربط الحوافز المالية والمؤسسية بالنشر في المجلات العلمية المعتمدة ذات التصنيف العالي (مثل Scopus وWoS) لرفع تصنيف المؤسسات التعليمية العُمانية.

3. إطلاق "مختبرات الابتكار التربوي المشتركة" (EdTech Labs):

ويشمل ذلك إنشاء حاضنات تكنولوجيا التعليم، مثل إنشاء مختبرات تجمع التربويين والمبرمجين العُمانيين لتطوير حلول تعليمية تعتمد على الذكاء الاصطناعي بناءً على بحوث ميدانية محليّة. وكذلك البحث القائم على البيانات الضخمة، من خلال استخدام بيانات "البوابة التعليمية" لتغذية بحوث أكاديمية تتنبأ بمستويات الطلبة، وتكشف الفجوات التعليمية، وتدعم اتخاذ القرار. إلى جانب التمويل الموجه للابتكار التدريسي، عبر تخصيص منح مالية مرنة للبحوث التي تقدم حلولًا لدمج ذوي الإعاقة أو التعليم المهني والتقني.

4. تأسيس "الزمالة البحثية الوطنية للمعلّمين":

ويمكن تنفيذ ذلك من خلال تفريغ بحثي جزئي، عبر إتاحة الفرصة للمعلّمين المتميزين للتفرغ لفصل دراسي كامل بالتعاون مع الجامعات لإجراء بحوث تُعنى بتطوير بيئات التعلم. وإنشاء مجتمعات الممارسة المهنية، من خلال تحويل غرف المعلمين إلى مراكز بحثية مصغرة تتبادل الحلول المبنية على أدلة علمية لرفع التحصيل الدراسي.

ونقترح في هذا السياق مشروع "الزمالة البحثية الوطنية للمعلّمين والأكاديميين"، وذلك لتحقيق هدف استراتيجي يتمثل في رفع جودة مخرجات التعليم المدرسي والعالي عبر تمكين الكادر التدريسي من قيادة بحوث إجرائية وأكاديمية تطبق مباشرة في الفصول الدراسية وتدعم أهداف رؤية "عُمان 2040". ويهدف هذا المشروع إلى سد الفجوة بين البحث الأكاديمي والنظام التعليمي الميداني. ويمكن تنفيذ ذلك عبر إيجاد مسار نظامي يسمح للمعلّمين والأكاديميين المتميزين بالتفرغ الجزئي أو الكامل.....

لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه


هذا المحتوى مقدم من صحيفة الرؤية العمانية

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من صحيفة الرؤية العمانية

منذ 9 ساعات
منذ 11 ساعة
منذ 4 ساعات
منذ 7 ساعات
منذ 9 ساعات
منذ 8 ساعات
وكالة الأنباء العمانية منذ 7 ساعات
وكالة الأنباء العمانية منذ 9 ساعات
وكالة الأنباء العمانية منذ 5 ساعات
صحيفة الشبيبة منذ 11 ساعة
وكالة الأنباء العمانية منذ 9 ساعات
صحيفة أثير الإلكترونية منذ 11 ساعة
صحيفة الشبيبة منذ 11 ساعة
وكالة الأنباء العمانية منذ 9 ساعات