تشهد العلاقات الخليجية المغاربية تحولاً استراتيجياً جوهرياً يعيد رسم خارطة التعاون الإقليمي، حيث تؤكد دراسة حديثة صادرة عن «مجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية» أن هذه العلاقات تدشن مرحلة جديدة تقودها المصالح الاقتصادية المتبادلة والاستثمارات القطاعية الموجهة.
يأتي هذا التحول في وقت تتسامى فيه الأهمية الجيوسياسية والاقتصادية لمنطقة شمال إفريقيا ضمن الرؤى الاستراتيجية لدول الخليج العربية، لا سيما في ملفات حيوية مثل الأمن الغذائي، وتأمين مصادر الطاقة، وتطوير الخدمات اللوجستية، فضلاً عن اتخاذ المنطقة منطلقاً للتوسع نحو الأسواق الإفريقية والساحل الأطلسي.
«اصنع في الإمارات 2026».. «مصدر» تستهدف الوصول لـ100 غيغاواط في 2030
من الدبلوماسية التقليدية إلى شراكات مرنة بين الخليج والمغرب العربي
توضح المعطيات الواردة في الدراسة أن التعاون بين الكتلتين الجغرافيتين أضحى يرتكز بصفة متزايدة على البراغماتية الاقتصادية والشراكات المرنة القائمة على المشاريع المشتركة، متمثلة في مجالات الموانئ، والطاقة المتجددة، والبنية التحتية الرقمية، والزراعة، والصناعات التحويلية.
يعكس هذا النمط الناشئ صياغة جديدة للعلاقات الاقتصادية البينية، يبرز فيها دور رؤوس الأموال الخليجية كرافد أساسي لدعم خطط التنمية وتطوير سلاسل الإمداد في المغرب العربي، بالتزامن مع تطلع الدول المغاربية إلى تنويع شراكاتها الدولية وتقليص ارتهانها التاريخي للأسواق الأوروبية التقليدية.
في سياق هذا الحراك الاستثماري، تكثف كل من الإمارات، والسعودية، وقطر من حضورها في شمال إفريقيا عبر استراتيجيات بعيدة المدى تستهدف بناء منظومات متكاملة للغذاء والطاقة والتجارة.
في المقابل، تسعى الدول المغاربية بجهود حثيثة لاستقطاب هذه الاستثمارات النوعية لتمويل مشاريعها الهيكلية، مما ساهم في الانتقال بالعلاقات الثنائية من الأطر الدبلوماسية والاتفاقيات التقليدية الشاملة إلى نموذج عملي يتسم بالمرونة ويركز على التعاون القطاعي والمشاريع المشتركة ذات العوائد الملموسة.
منصة لوجستية كبرى لتدفق الاستثمارات الخليجية نحو إفريقيا
تتجلى هذه الديناميكية بوضوح في نموذج المملكة المغربية، التي باتت تشكل منصة محورية للاستثمارات الخليجية في شمال إفريقيا، حيث تتدفق رؤوس الأموال نحو قطاعات الموانئ والنقل البحري والطاقة النظيفة.
يتمثل ذلك في الاستثمار الضخم لشركة «مصدر» الإماراتية الرائدة في مجال الطاقة المتجددة، والتي أبرمت شراكات استراتيجية مع الجانب المغربي لتطوير مشاريع طاقة الرياح والطاقة الشمسية، بالإضافة إلى دخول رساميل خليجية كبرى في منظومة «عرض المغرب» لإنتاج الهيدروجين الأخضر ومشتقاته في الأقاليم الجنوبية، وفقاً لبيانات وزارة الانتقال الطاقي والتنمية المستدامة المغربية.
تستثمر الرباط في موقعها الجغرافي المتميز وبنيتها التحتية المتقدمة لترسيخ مكانتها كمركز عبور لوجستي واستثماري يربط دول الخليج بالعمق الإفريقي والمجال الأطلسي، وتحويل هذه الشراكات إلى التزامات طويلة الأجل تدعم الصناعات التصديرية والمجمعات التجارية الدولية.
تحالفات صناعية ثقيلة بين الجزائر والخليج
على نحو موازٍ، تشهد العلاقات الجزائرية الخليجية زخماً متسارعاً يتركز في قطاعات الطاقة والصناعة الثقيلة والأمن الغذائي.
يبقى قطاع الهيدروكاربونات المحور الأساسي لهذا التعاون من خلال التنسيق المستمر في أسواق النفط والمشاريع المشتركة للاستكشاف والإنتاج، والتي تجسدت في الاتفاقية الاستراتيجية الممتدة لثلاثة عقود بقيمة تناهز 5.4 مليار دولار بين شركة «سوناطراك» الجزائرية وشركة «مداد للطاقة» السعودية لتطوير «حوض إيليزي»، بحسب ما نقلته وكالات الأنباء الرسمية في البلدين عند توقيع العقد.
في ذات السياق، يسجل الحضور الاستثماري القطري نمواً لافتاً في الجزائر، حيث تعكس البيانات المالية والإعلانات الرسمية للشركات المعنية هذا الزخم؛ إذ حققت الشراكة في مصنع «الجزائرية القطرية للصلب» معاملات نقدية بلغت نحو 1.2 مليار دولار خلال عام 2023 مع تطلعات لرفع القدرة الإنتاجية، يضاف إليها الاستثمار الضخم لشركة «بلدنا» القطرية في قطاع إنتاج الألبان بقيمة 3.5 مليار دولار لدعم الاكتفاء الذاتي في البلاد.
شراكة بين «مصدر» و«توتال للطاقة» بقيمة 2.2 مليار دولار
أبعاد دعم تونس وآفاق الاستثمار في ليبيا وموريتانيا
أما في تونس، فيبرز الدعم التمويلي الخليجي كركيزة أساسية لمساندة المالية العامة وتحفيز الاقتصاد في مواجهة الضغوط المالية الراهنة.
فقد وثّقت اتفاقيات الدعم المبرمة بين وزارتي المالية في البلدين تقديم السعودية قرضاً ميسراً بقيمة 400 مليون دولار ترافقه منحة بقيمة 100 مليون دولار، إلى جانب الإسهامات التنموية المستمرة لقطر في مشاريع البنية التحتية، والإسكان، وتحلية المياه، مما يعكس توجهاً خليجياً عاماً للمحافظة على الاستقرار الاقتصادي التونسي.
لا تقتصر هذه الرؤية على الأسواق المغاربية الكبرى، بل تمتد لتشمل ليبيا وموريتانيا؛ إذ تنظر الاستراتيجيات الخليجية إلى السوق الليبية كوجهة واعدة للاستثمار في قطاعات إعادة الإعمار، وتطوير الموانئ، والخدمات اللوجستية النفطية والتجارية.
في الوقت ذاته، تحظى موريتانيا باهتمام استثماري متزايد بفضل إشرافها الجغرافي على المحيط الأطلسي، مما يفتح آفاقاً جديدة للمشاريع الخليجية في مجالات الزراعة، وتطوير الموانئ، والبنية التحتية الأساسية، ويعزز من التواجد الاقتصادي الخليجي في منطقة غرب إفريقيا.
هذا المحتوى مقدم من إرم بزنس

