في وقت تواجه فيه المنطقة اضطرابات متلاحقة في أسواق الطاقة وارتفاعاً في تكاليف الوقود والنقل والشحن، تتجه مصر إلى تسريع الاعتماد على الطاقة الشمسية باعتبارها أحد المسارات الرئيسية لتأمين احتياجات الكهرباء وتقليل الضغط على الوقود التقليدي.
التحرك المصري جاء مدفوعاً بتزايد الأحمال الكهربائية وارتفاع الطلب على الطاقة، وبرزت معه توجيهات الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي بضرورة التوسع في استخدام الطاقة الجديدة والمتجددة داخل المنازل والمصانع عبر أنظمة الخلايا الشمسية، لتخفيف الأحمال على الشبكة القومية وتقليل الاعتماد على مصادر الوقود التقليدية.
في قلب هذا التوسع، اتجهت وزارة الكهرباء المصرية إلى فتح الباب بصورة أكبر أمام استخدام الألواح الشمسية بالمنازل والمصانع والمنشآت التجارية، مع تأكيد الوزير محمود عصمت أن الدولة رفعت مستهدف مساهمة الطاقة المتجددة في مزيج الكهرباء إلى 45% بحلول 2028، بالتزامن مع تنفيذ مشروعات تتجاوز قدراتها 30 غيغاوات من الطاقة الشمسية والرياح.
شراكة مصرية صينية لتعزيز حلول الطاقة الشمسية في السوق المحلية
تسهيلات حكومية للموطنين
تحدثت وزارة الكهرباء عن تسهيلات واسعة لتركيب المحطات الشمسية، خاصة للمنازل والمنشآت الصغيرة، مع التوسع في أنظمة «صافي القياس» التي تسمح بربط الألواح بالشبكة القومية وتصدير الفائض، إلى جانب خطط مستمرة لتحديث الشبكة الكهربائية واستيعاب الزيادة السنوية في الأحمال، التي تصل إلى نحو 7% سنوياً.
وقال المتحدث باسم وزارة الكهرباء، منصور عبد الغني، إن الوزارة أتاحت للمواطنين تركيب محطات الطاقة الشمسية دون قيود معقدة، موضحاً أن المحطات الأقل من 500 كيلووات لا تحتاج إلى تراخيص، ويكفي فقط التنسيق مع شركة توزيع الكهرباء.
وكشف المتحدث باسم وزارة الكهرباء، أن تكلفة إنشاء محطة طاقة شمسية لعمارة سكنية مكونة من 6 طوابق قد تصل إلى 1.2 مليون جنيه، بحسب حجم الاستهلاك وقدرة المحطة المطلوبة.
بدوره، أوضح أحمد مهينة رئيس قطاع التخطيط الإستراتيجي بوزارة الكهرباء أن الوزارة أتاحت منصة إلكترونية متخصصة للطاقة الشمسية، تتيح للمواطنين التعرّف على الشركات المعتمدة والإجراءات المطلوبة للتركيب وربط المحطات بالشبكة.
أشار مهينة، إلى أن الشركات المعتمدة توفر ضمانات تصل إلى 25 عاماً على الألواح الشمسية، إلى جانب برامج تمويل مصرفية لتخفيف التكلفة الأولية، في وقت تتوسّع فيه الدولة في خطط توطين صناعة الألواح الشمسية ومكونات الطاقة النظيفة محلياً.
صورة أرشيفية لمحطة لتوليد الكهرباء من الطاقة الشمسية في كوم أمبو، أسوان، مصر
المصدر: مجلس الوزراء المصري.
ارتفاع أسعار الألواح
شهد السوق المصري، موجة جديدة من ارتفاع أسعار الألواح الشمسية، بالتزامن مع زيادة الطلب المحلي على أنظمة الطاقة الشمسية للمنازل والمصانع والأنشطة الزراعية.
وبلغ سعر لوح «جينكو» بقدرة 725 واط نحو 8.90 جنيه للواط، بينما سجل اللوح بقدرة 620 واط السعر نفسه، في حين وصل سعر لوح «جيت سولار» بقدرة 710 واط إلى 8.30 جنيه للواط.
ويربط المتخصصون هذه الزيادات بارتفاع الإقبال على تركيب الأنظمة الشمسية خلال الأشهر الأخيرة، إلى جانب استمرار الضغوط المرتبطة بتكاليف الاستيراد والشحن عالمياً.
قال خبير الطاقة المتجددة، وائل عبد السلام، إن ما يحدث حالياً في سوق الطاقة الشمسية داخل مصر يتجاوز فكرة «البديل المؤقت»، موضحاً أن الإقبال على تركيب الألواح الشمسية أصبح مرتبطًا بمحاولات تقليل تكلفة التشغيل وتأمين استقرار استهلاك الكهرباء على المدى الطويل، سواء داخل المنازل أو المصانع أو الأنشطة الزراعية.
أضاف عبد السلام في تصريحات خاصة لـ«إرم بزنس» أن أسعار الألواح الشمسية ارتفعت بالفعل خلال مايو 2026، حيث وصل سعر بعض الألواح إلى 8.90 جنيه للواط، الواحد وسجلت الأنظمة الأكبر المستخدمة في المصانع والمجمعات السكنية تكاليف تصل إلى ملايين الجنيهات بحسب القدرة المطلوبة.
تكليفة تركيب الألواح للمنازل
لفت رئيس هيئة الطاقة النووية السابق، أمجد الوكيل، الانتباه إلى أن التوسع السريع في استخدام الطاقة الشمسية يحتاج إلى قراءة اقتصادية وفنية دقيقة، موضحاً أن تكلفة التركيب لا تزال تمثل التحدي الأبرز أمام قطاع كبير من المواطنين، خاصةً مع وصول تكلفة محطة تخدم عمارة سكنية متوسطة إلى نحو 1.2 مليون جنيه، إلى جانب تكاليف البطاريات والمحولات وأعمال التركيب والصيانة الدورية.
ويضيف الوكيل في تصريحات لـ«إرم بزنس» أن المواطن الذي يفكر في تركيب محطة شمسية لم يعد ينظر فقط إلى قيمة الفاتورة الشهرية، بل أصبح يقارن بين كلفة الاعتماد الكامل على الشبكة التقليدية لسنوات طويلة وبين تكلفة استثمار أولي يمنحه قدراً أكبر من الاستقرار في استهلاك الكهرباء، خاصة مع العمر التشغيلي الطويل للألواح الشمسية الذي يصل إلى 25 عامًا في بعض الأنظمة الحديثة.
ويعود عبد السلام للتأكيد أن السوق المصرية بدأت تتحرك تدريجياً من مرحلة التجربة المحددودة إلى مرحلة الانتشار العفلي، لافتاً إلى أن الطلب لم يعد مقتصر على الفيلات أو المشروعات السياحية الكبرى، حيث امتد إلى عمارات سكنية ومصانع متوسطة ومزارع ومخازن تجارية، بالتزامن مع تسهيلات حكومية تتعلق بإلغاء القيود على المحطات الأقل من 500 كيلوواط.
مصر تنهي إجراءات ترشيد استهلاك الكهرباء
المشروعات العقارية الجديدة
ويوضح خبير الطاقة أن الكثبر من المشروعات العقارية الجديدة بدأت تخصص مساحات فوق الأسطح لتركيب الألواح الشمسية ضمن التصميم الأساسي للمباني، بينما تتجه بعض المصانع إلى تشغيل أجزاء من خطوط الإنتاج بالطاقة الشمسية لتقليل استهلاك الكهرباء التقليدية وخفض التكلفة التشغيلية، خاصة خلال فترات الذروة الصيفية.
فيما يرى أستاذ هندسة البترول والطاقة، فتحي السلاموني، أن الزخم الحالي في ملف الطاقة الشمسية لا يمكن فصله عن التوترات الإقليمية وأزمات الطاقة العالمية، موضحاً أن الحرب والاضطرابات التي تشهدها المنطقة دفعت كثيرًا من الحكومات والمستهلكين لإعادة التفكير في أمن الطاقة ومصادرها، وهو ما انعكس بشكل مباشر على زيادة الاهتمام بالحلول المتجددة داخل مصر.
أشار السلاموني في تصريحات لـ«إرم بزنس» إلى أن ارتفاع تكلفة الوقود التقليدي عالمياً وزيادة الضغط على الشبكات الكهربائية خلال الصيف جعلا الطاقة الشمسية خياراً أكثر حضرواً في النقاشات الاقتصادية، خاصة مع امتلاك مصر أحد أعلى معدلات الإشعاع الشمسي في المنطقة، وهو ما يمنح الألواح الشمسية كفاءة تشغيلية مرتفعة مقارنة بأسواق أخرى.
وأكد أمجد الوكيل أن نجاح هذا التحول لا يرتبط فقط بزيادة أعداد الألواح فوق الأسطح، وإنما بقدرة الشبكة الكهربائية على التعامل مع هذا التوسع، موضحًا أن دخول ملايين الوحدات الصغيرة المنتجة للكهرباء إلى منظومة صافي القياس يتطلب تحديثًا مستمراً للبنية الفنية ومحطات المحولات وأنظمة التحكم.
وأضاف أن تنفيذ 34 محطة محولات جديدة خلال العام الماضي يمثل جزءًا من عملية تجهيز الشبكة لاستيعاب القدرات الجديدة، خاصة مع نمو الأحمال الكهربائية بمعدل يقترب من 7% سنوياً، إلى جانب اتجاه الدولة لإضافة قدرات تخزين كهربائي تصل إلى 4000 ميجاوات لدعم استقرار الشبكة.
مصر ترفع تعريفة الكهرباء للشريحة الأعلى والعدادات الكودية
تأثير التوسع في تركيب الألواح الشمسية
ويرى وائل عبد السلام، أن الأثر المباشر للتوسع في استخدام الألواح الشمسية سيظهر بصورة أكبر في تقليل استهلاك الغاز الطبيعي المستخدم داخل محطات الكهرباء، موضحاً أن كل ميغاواط جديد من الطاقة الشمسية يعني تقليل كميات الوقود المطلوبة للتشغيل التقليدي، وهو ما يخفف الضغط على موارد الطاقة ويقلل تكلفة الإنتاج على المدى الطويل.
ويشير إلى أن السوق المصرية لا تزال في بداية مرحلة توسع كبيرة، موضحاً أن وجود 100 شركة معتمدة حالياً لتنفيذ وصيانة المحطات الشمسية يعكس حجم النشاط المتزايد داخل القطاع، خاصة مع التسهيلات الحكومية الحالية، وتوسع البنوك في تقديم برامج تمويل مرتبطة بالطاقة الشمسية للمنازل والمشروعات التجارية.
هذا المحتوى مقدم من إرم بزنس

