طفرة التمويل غير المصرفي في مصر.. فرصة للنمو أم تحدٍ للاستقرار المالي؟

يشهد القطاع المالي في مصر مرحلة من التحولات المتسارعة، مدفوعة بالتوسع في خدمات التكنولوجيا المالية وتنامي الاعتماد على أدوات الادخار والاستثمار الرقمية، إلى جانب النمو الملحوظ لشركات التمويل غير المصرفي التي نجحت في تعزيز حضورها بالسوق وتقديم بدائل تمويلية أكثر مرونة وسرعة مقارنة بالآليات التقليدية.

وأكد اقتصاديون لـ«إرم بزنس» أن التكنولوجيا المالية تفتح أبواب الاستثمار أمام ملايين المصريين، مشيرين إلى أن منافسة البنوك وشركات التمويل غير المصرفي، إيجابية للعميل.

تراجع سعر صرف الدولار في مصر.. 53.20 جنيه في البنك «الأهلي»

تعكس المؤشرات الصادرة عن الهيئة العامة للرقابة المالية النمو المتسارع الذي يشهده القطاع المالي غير المصرفي في مصر، حيث بلغت قيمة التمويلات الممنوحة من الجهات الخاضعة لرقابة الهيئة نحو 1.4 تريليون جنيه (26.3 مليار دولار) بنهاية عام 2025، بما يمثل قرابة 54% من إجمالي التمويلات الممنوحة للاقتصاد المصري.

وفقاً للبيانات، يضم القطاع نحو 2532 شركة وجهة تخدم أكثر من 64 مليون عميل، فيما تجاوز عدد العقود التمويلية 9.8 مليون عقد، مع تسجيل نسب تعثر تقل عن 3%، وهو ما اعتبرته الهيئة مؤشراً على كفاءة الضوابط الرقابية المطبقة.

توقعات بتثبيت البنك المركزي المصري أسعار الفائدة بسبب حرب إيران

كما بلغ حجم محافظ أنشطة التمويل غير المصرفي نحو 417 مليار جنيه، في وقت شهدت فيه أنشطة التمويل الاستهلاكي نمواً بنسبة 57% لتصل إلى 96.3 مليار جنيه.

ويثير هذا التوسع السريع تساؤلات متزايدة بشأن تداعيات انتشار التمويل الاستهلاكي وسهولة الوصول إلى القروض، خاصة مع تنامي الاعتماد على نظم التقسيط والائتمان في تلبية الاحتياجات اليومية، ويرى مراقبون أن الحفاظ على استقرار السوق يتطلب تعزيز الأطر الرقابية ووضع ضوابط أكثر فاعلية توازن بين تشجيع الابتكار المالي وتحفيز النمو من جهة، والحد من المخاطر المرتبطة بارتفاع المديونية وحماية المستهلكين من جهة أخرى.

تطور إيجابي للاقتصاد المصري

يرى أستاذ الاقتصاد بجامعة حلوان، عمرو سليمان، أن التوسع في التكنولوجيا المالية وصناديق الاستثمار يمثل تطورا إيجابيا للاقتصاد المصري، خاصة في ظل ضعف معدلات الادخار واحتياج السوق إلى أدوات استثمارية متنوعة تتيح للمواطنين فرصا أفضل لإدارة مدخراتهم بعيدا عن الوسائل التقليدية.

«المركزي المصري» يطرح صكوكاً سيادية بعائد 21.3% لمدة 3 سنوات

أوضح سليمان في تصريحات لـ«إرم بزنس»، أن انتشار تطبيقات الـ«فينتك» ساهم في جذب شرائح عمرية جديدة للاستثمار في الأدوات المالية المختلفة، بدلا من اقتصار الخيارات على البنوك أو وسائل الادخار التقليدية، مشيرا إلى أن توفير قنوات استثمار منظمة يقلل من لجوء المواطنين إلى الكيانات غير الرسمية أو ما يعرف بـ«المستريح».

أضاف سليمان أن مصر ما زالت تعاني من انخفاض معدلات الادخار مقارنة بالمعدلات العالمية، وهو ما يفرض ضرورة تعزيز الوعي والثقافة المالية داخل المجتمع، مؤكدا أن كثيرا من المواطنين لا يدركون الفروق بين الأدوات الادخارية المختلفة والعوائد التي تحققها صناديق الاستثمار مقارنة ببعض الأوعية التقليدية.

رفع معدلات الادخار يدعم الاستثمار والإنتاج

وشدد كذلك على أن رفع معدلات الادخار يمثل عنصرا أساسيا لدعم الاستثمار والإنتاج، موضحا أن القطاع الخاص لن يتمكن من التوسع الصناعي دون وجود مدخرات محلية يتم توجيهها إلى الاستثمار.

عميل يستبدل مبلغاً من العملات الأجنبية بما يقابله من الجنيه المصري في أحد مكاتب الصرافة وسط العاصمة المصرية القاهرة يوم 3 نوفمبر 2016.

فيما يتعلق بصناديق الاستثمار، أوضح أنها لا تمثل منافسا مباشرا للبنوك حتى الآن، لكنها تعد أوعية ادخارية مهمة تمنح المواطنين فرصة الاستثمار في أدوات مثل أذون الخزانة بصورة أكثر سهولة، خاصة مع تعقيد الإجراءات البنكية أحيانا، مشيرا إلى أن البنوك نفسها تمتلك صناديق استثمار ويمكنها توسيع دورها عبر التطبيقات الرقمية، لكنه اعتبر أن التكنولوجيا المالية تمثل فرصة للنمو وليست تهديدا للقطاع المصرفي.

تحديات تستلزم ضوابط رقابية

بشأن شركات التمويل الاستهلاكي، أكد عمرو سليمان أن القضية الأساسية ترتبط بمدى الالتزام بمعايير الجدارة الائتمانية والرقابة على منح التمويل، موضحا أن منح التمويل لأشخاص غير قادرين على السداد قد يتحول إلى مشكلة إذا غابت الضوابط الرقابية.

أضاف أن تطبيق معايير «بازل» والاعتماد على التقييم الائتماني للعملاء يضمنان استقرار السوق ويحدان من مخاطر التعثر، مشيرا إلى أن التوسع في التمويل لن يتحول إلى «فقاعة» طالما التزمت المؤسسات بالمعايير الرقابية السليمة.

أشار إلى أن البنوك التقليدية بدأت بالفعل في مواكبة التحولات الرقمية، لافتاً إلى التطور الكبير في التطبيقات البنكية التي تتيح تنفيذ معظم الخدمات المالية إلكترونيًا، من ربط الشهادات والودائع إلى الاستثمار في صناديق الاستثمار والتقدم للحصول على التمويلات المختلفة، مضيفا أن الاتجاه نحو البنوك الرقمية أصبح واقعا في السوق المصرية، مؤكداً أن المؤسسات المصرفية التي تنجح في التكيف مع التطورات التكنولوجية ستكون الأكثر قدرة على النمو خلال الفترة المقبلة.

ينتظرون أدوارهم داخل فرع البنك الأهلي المصري بالعاصمة المصرية القاهرة يوم 3 أبريل 2023.

مصلحة العميل

من جانبه، أكد خبير الاقتصاد وعضو الجمعية المصرية للاقتصاد والإحصاء والتشريع، وليد جاب الله أن زيادة التنافس بين البنوك وشركات التمويل غير المصرفي، سواء في التمويل الاستثماري أو التمويل الاستهلاكي، تصب في النهاية في مصلحة العميل، باعتباره يبحث دائما عن أفضل البدائل التي تحقق أهدافه التمويلية والاستثمارية.

أوضح جاب الله في تصريحات لـ«إرم بزنس»، أن الجدل الدائر حاليا يرتبط برؤية بعض مسؤولي الجهاز المصرفي بأن شركات التمويل غير المصرفي تتمتع بمرونة وضوابط أخف مقارنة بالبنوك، التي تلتزم بمعايير رقابية صارمة ومتطلبات «بازل» والاحتياطي الإلزامي وغيرها من الإجراءات التنظيمية.

أشار جاب الله إلى أن شركات التمويل غير المصرفي تستهدف قاعدة أوسع من العملاء، وتقدم تمويلات أقل حجما مقارنة بالبنوك، وهو ما جعلها منافسا قويا في تمويل صغار المواطنين، مضيفا أن هذا التنافس يحمل جانبا إيجابيا يتمثل في تحسين الخدمات وتوسيع الخيارات أمام المواطنين، لكنه يتطلب في الوقت نفسه تحقيق قدر من العدالة التنظيمية بين جميع الأطراف، بما يسمح للبنوك بمرونة أكبر في بعض الأنشطة التمويلية حتى تصبح المنافسة أكثر توازنا.

دعم الشمول المالي

فيما يتعلق بقدرة البنوك التقليدية على مواكبة التطورات التكنولوجية، أكد أن الجهاز المصرفي المصري يمتلك قدرات قوية ويتابع التطورات الرقمية بصورة مستمرة، كما أن البنوك المصرية أصبحت تقدم خدمات إلكترونية متطورة عبر التطبيقات والمنصات الرقمية، وهناك بنوك رقمية بدأت بالفعل في السوق.

وشدد على أن العلاقة بين البنوك وشركات التمويل غير المصرفي ليست علاقة انفصال، بل شراكة متكاملة، لأن شركات التمويل تعتمد في الأساس على التمويلات البنكية وتقدم خدماتها للعملاء من خلال التحويلات والحسابات المصرفية.

مصر.. ارتفاع الشمول المالي لـ76.3% حتى يونيو 2025

هل تحدث فقاعة في المستقبل؟

نفى جاب الله وجود مخاوف حقيقية من حدوث «فقاعة» في قطاع التمويل غير المصرفي، مؤكدا أن السوق المصرية لا تواجه هذا السيناريو حاليا، لكنه حذر في المقابل من التوسع غير الرشيد في الاقتراض الاستهلاكي لدى بعض الشرائح، في ظل ضعف الوعي المالي ووجود أنماط استهلاكية وصفها بـ«المبالغ فيها».

أضاف أن بعض الحالات تلجأ للحصول على التمويل دون قدرة حقيقية على السداد، وهو ما يؤدي لاحقا إلى زيادة أعداد الغارمات والاعتماد على مؤسسات المجتمع المدني لتسوية المديونيات، واعتبر أن هذه الظاهرة تحتاج إلى تنظيم أكبر ورفع مستوى التوعية المالية لدى المواطنين.

مطالبات بتطوير آليات الرقابة

ودعا الخبير الاقتصادي إلى تعزيز التنسيق بين البنك المركزي والهيئة العامة للرقابة المالية لتطوير آليات الرقابة على التمويل الاستهلاكي، إلى جانب إطلاق حملات توعية تستهدف المواطنين لتشجيعهم على الاقتراض وفق احتياجات فعلية وقدرات حقيقية على السداد، مؤكدا أن العلاقة بين المواطن والبنوك التقليدية ستظل مستمرة رغم انتشار التطبيقات والخدمات المالية الرقمية، موضحا أن البنوك نفسها تطور أدواتها الإلكترونية بصورة متسارعة، وأن التعامل الرقمي سيزداد تدريجيًا على حساب التعاملات التقليدية داخل الفروع، في إطار التوسع المستمر في خطط الشمول المالي.


هذا المحتوى مقدم من إرم بزنس

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من إرم بزنس

منذ ساعة
منذ 3 ساعات
منذ ساعة
منذ ساعتين
منذ ساعتين
منذ 17 دقيقة
اقتصاد الشرق مع Bloomberg منذ 5 ساعات
اقتصاد الشرق مع Bloomberg منذ ساعتين
صحيفة الاقتصادية منذ 8 ساعات
قناة CNBC عربية منذ 3 ساعات
اقتصاد الشرق مع Bloomberg منذ 5 ساعات
قناة CNBC عربية منذ 12 ساعة
اقتصاد الشرق مع Bloomberg منذ 5 ساعات
اقتصاد الشرق مع Bloomberg منذ ساعة