حدائق جديدة بالأردن.. هل تنجح خطط الحماية والاستدامة؟

فرح عطيات عمان تعود فكرة الحدائق العامة في المدن الأردنية إلى بدايات تشكّل النسيج الحضري الحديث، حين ارتبطت المساحات الخضراء بمفهوم "المتنفس العام" أكثر من ارتباطها بالتخطيط البيئي طويل الأمد.

ومع اتساع المدن، وتراجع نصيب الفرد من المساحات المفتوحة، بقيت الحدائق تُدار غالباً بوصفها مشاريع خدمية مرتبطة بالتجميل الحضري، لا باعتبارها جزءاً من البنية التحتية الحيوية للمدينة، غير أن الإعلان الحكومي الأخير عن إنشاء حدائق عامة جديدة، من بينها "حديقة النشامى"، أعاد فتح النقاش حول السؤال الأعمق: كيف يمكن حماية هذه المساحات وضمان استمرارها بعد سنوات من الافتتاح والاحتفاء الرسمي؟

يحضر هذا السؤال في وقت تواجه فيه المدن الأردنية ضغوطاً عمرانية متسارعة، إلى جانب تحديات مائية ومالية تجعل أي مساحة خضراء عرضة للتراجع أو الإهمال إذا غابت الرؤية المستدامة لإدارتها.

فالتجارب السابقة أظهرت أن إنشاء الحدائق لا يكفي وحده لصناعة أثر حضري طويل الأمد، إذ إن كثيراً من المساحات العامة فقدت وظيفتها تدريجياً بسبب ضعف الصيانة، أو غياب الحماية القانونية، أو تحوّلها لاحقاً إلى مواقع استثمارية وتجارية على حساب بعدها البيئي والاجتماعي.

وتكشف التحولات الحديثة في تخطيط المدن عالمياً أن الحدائق لم تعد مجرد أماكن للترفيه، بل أدوات لتحسين الصحة العامة، وتقليل آثار التغير المناخي، وتعزيز الترابط الاجتماعي داخل الأحياء السكنية، وفق خبراء في مجالات البيئة والابتكار والتخطيط الحضري.

لهذا، يرتبط نجاح المشاريع الجديدة بقدرة البلديات والمؤسسات الرسمية على بناء نموذج إدارة مستدام يوازن بين التمويل، والحماية التشريعية، والمشاركة المجتمعية، والتقنيات الحديثة في الصيانة والرصد، وفق قولهم.

الملكية المجتمعية

بدأ الأردن يشهد خطوات ملموسة من قبل الجهات المعنية لإنشاء حدائق عامة، لكن نجاحها لا يقاس "بعددها فقط"، بل بقدرتها على الاستمرار "لعقود"، وتحقيق "قيمة" اجتماعية وبيئية مستدامة، وفق خبير إدارة المدن والتخطيط الحضري م. فوزي مسعد.

ويبدأ ذلك، وفق مسعد، من التصميم والإنشاء "الصحيح" باستخدام مواد عالية "الجودة"، و"قليلة" التكلفة التشغيلية، و"طويلة العمر"، بما يقلل الحاجة للصيانة المتكررة.

وأكد أن اختيار المزروعات المحلية والمتأقلمة مع المناخ الأردني "أمر أساسي"، بحيث تكون قليلة الاستهلاك للمياه، ولا تحتاج إلى عناية مكثفة، أو كلف تشغيل مرتفعة، مع استخدام أنظمة ري ذكية وإعادة استخدام المياه المعالجة متى أمكن.

وأضاف أن الحماية "الحقيقية" للحدائق لا تتحقق فقط عبر "الرقابة أو القوانين"، بل من خلال إشراك المجتمع المحلي منذ البداية، بحيث يشعر السكان المحيطون بأن الحديقة "جزء منهم وليست ملكا عاما مجهول المسؤولية".

فالمبادرات المجتمعية، ومشاركة المدارس والجمعيات والأحياء السكنية في الزراعة والأنشطة، تعزز ما يمكن تسميته بـ"الشعور بالملكية المجتمعية"، وهو ما يحد كثيرا من "الاعتداءات والتخريب"، بحسبه.

ودعا إلى ضرورة وجود إدارة تشغيل واضحة تشمل "الأمن، والنظافة، والصيانة الدورية، والرقابة بالكاميرات، وتنظيم الأنشطة"، بحيث تبقى الحديقة "حية وآمنة وليست مساحة مهملة".

اختيار الموقع

ولعل اختيار موقع الحديقة هو "العامل الأهم" في نجاحها، فالحدائق يجب أن تكون في مناطق ذات "كثافة سكانية مرتفعة"، أو مناطق تعاني "نقصًا في المساحات العامة"، وأن تكون سهلة الوصول عبر المشي ووسائط النقل العام، مع توفير مواقف سيارات كافية لتجنب استحداث اختناقات مرورية، أو إزعاج للأحياء المجاورة.

ويرى مسعد أن حجم الحديقة ومرافقها يجب أن يرتبط بالطاقة الاستيعابية المتوقعة، بحيث تتوزع الأنشطة والمساحات بشكل يمنع "الاكتظاظ أو تدهور المرافق"، فهناك فرق بين حدائق الأحياء الصغيرة، والمتنزهات الإقليمية الكبيرة التي تستقبل أعدادًا ضخمة.

ومن المهم، في رأيه كذلك، اعتماد دراسات مسبقة لحركة الزوار، والفئات العمرية المستهدفة، وطبيعة الاستخدام (رياضة، عائلات، أطفال، فعاليات)، وعدم الاكتفاء بتخصيص قطعة أرض دون دراسة حضرية حقيقية وبرنامج الحديقة، ما يساهم في تحديد المكونات الرئيسية وأهمية توفيرها.

وأضاف أن التوزيع العادل للحدائق داخل المدن مهم جدًا، بحيث لا تتركز في مناطق معينة وتحرم مناطق أخرى، لأن "العدالة المكانية" عنصر أساسي في جودة الحياة داخل المدن الحديثة.

ونوه إلى أن أحد أكبر "أخطاء التخطيط" يتمثل في إنشاء الحدائق دون التفكير "بتكلفة تشغيلها مستقبلًا"، لذلك يجب منذ البداية تصميم حدائق "منخفضة التكلفة التشغيلية" تعتمد على مواد مستدامة، وإنارة موفرة للطاقة، وزراعة قليلة الاحتياج للمياه والصيانة.

ودعا إلى تبني نماذج تمويل مبتكرة بدل الاعتماد الكامل على موازنات البلديات، مثل الشراكة مع القطاع الخاص ضمن ضوابط واضحة، وتنفيذ برامج تبنّي الحدائق من الشركات الكبرى ضمن مسؤوليتها المجتمعية.

ومن بين دعواته كذلك، السماح ببعض الأنشطة المدروسة غير المزعجة مثل الأكشاك أو الفعاليات المنظمة، بحيث تخصص عوائدها مباشرة للصيانة، وإنشاء صناديق محلية لدعم المساحات العامة.

لكنه شدد على أن أي استثمار مالي داخل الحدائق يجب أن يبقى "خادما للوظيفة العامة" للمكان لا "مسيطرا عليها"، كي لا تتحول الحديقة تدريجيًا إلى "مشروع تجاري يفقدها بعدها الاجتماعي والبيئي".

وأشار إلى أن حماية الحدائق تحتاج إلى حماية "تشريعية ومؤسسية"، بحيث تصنف فراغات حضرية عامة ومساحات خضراء "محمية"، لا يجوز تغيير استعمالاتها "بسهولة"، أو بقرار إداري "عابر".

واقترح أن يتم ربطها ضمن المخططات الشمولية والتنظيمية للمدن باعتبارها جزءًا من البنية التحتية الحضرية الأساسية، تمامًا كالشوارع وشبكات المياه، وليس كأراضٍ احتياطية قابلة للاستثمار لاحقًا.

وحث كذلك على وجود حد أدنى لنصيب الفرد من المساحات الخضراء حسب المتطلبات العالمية والممارسات الفضلى بحيث يتم الالتزام به على مستوى المدن، ويصبح إزالة أي حديقة "قرارًا يمس جودة الحياة، والصحة العامة، والتوازن البيئي"، و"مخالفا" لتوجهات رؤية التحديث الاقتصادي الخاصة بالتخطيط الحضري.

وأنهى حديثه بالقول بأن الحدائق ليست "كماليات أو مساحات فارغة"، بل هي استثمار طويل الأمد في "صحة الناس، والتماسك الاجتماعي، والبيئة، وجودة الحياة".

وأضاف أن المدن الناجحة لا تقاس فقط بالأبراج والطرق، بل بقدرتها على توفير فضاءات عامة إنسانية تحفظ كرامة الإنسان وحقه في المدينة.

دور الذكاء الاصطناعي

وفي رأي الخبير في قطاع الاتصالات وتقنية المعلومات وصفي الصفدي، فإن الحديقة العامة التي لا يُرى فيها أحد، ولا يُبلَّغ عن مشكلاتها إلا حين "تتفاقم"، تكون في طريقها إلى "الإهمال ثم الإزالة"، وهذه هي نقطة البداية الحقيقية لفهم دور الذكاء الاصطناعي في الاستدامة ليس كأداة "للبهرجة التقنية"، بل كنظام يجعل الحديقة "مرئية" لمديريها في كل لحظة.

وهنالك عدة خطوات لتحقيق ذلك، والتي يجملها الصفدي بما يسمى "الرصد المباشر للحالة البيئية"، وذلك عبر أنظمة الري الذكية التي تعتمد على بيانات الرطوبة الفعلية في التربة ومعطيات الطقس المتوقع والتي باتت معياراً في كثير من مدن الخليج.

وضرب مثالاً على ذلك بمدينة دبي التي وثّقت في تقاريرها أن هذه الأنظمة خفّضت استهلاك المياه في حدائقها العامة بنسبة تصل إلى 40 % مقارنة بالري التقليدي، وفي السياق الأردني، حيث المياه "شُح وليست رفاهية"، فهذا الرقم يعني "فرق بقاء أو انهيار لمنظومة التشجير".

ومن بين الإجراءات الأخرى، التي تحدث عنها الصفدي، المستشعرات الموزعة في التربة والتي تنبّه الفِرق الميدانية قبل أن "يجفّ الشجر لا بعده".

هذا النوع من الاستباقية، كما وصفه، هو ما يميّز "الإدارة الذكية عن تلك التقليدية" القائمة على الجولة اليومية للعامل، حيث تعد الأتمتة مع المستشعرات الذكية عاملا أساسيا في الحفاظ على النباتات "صحية"، ويمتد ذلك للتسميد وفحص الآفات أيضا.

إنترنت الأشياء

وأما الخطوة الثانية، فتكمن بحسب الصفدي، في إدارة الصيانة بالبيانات، وباستخدام نظام إنترنت الأشياء المرتبط بمنصة إدارة مركزية، لتوليد جداول صيانة تنبؤية بدلاً من الانتظار حتى تتعطل المعدات أو يجفّ النبات.

ومن الدول التي تستخدم مثل هذا النظام مدينة سنغافورة التي طبّقت هذا النهج في حدائقها القومية عبر منصة "City in a Garden"، بحيث تُحلَّل بيانات 80,000 شجرة بشكل دوري لتحديد أشجار تحتاج تدخلاً قبل أن "تُشكّل خطراً"، تبعاً له.

وفي الأردن، يرى الصفدي أن التحدي الفعلي يتمحور في أن كثيراً من البلديات لا تملك "سجلاً رقمياً" حتى بأعداد الأشجار في حدائقها، لذلك يجب أن تعمد إلى التوثيق الرقمي عبر نظم المعلومات الجغرافية (GIS)، ثم إضافة طبقة الذكاء الاصطناعي فوقها.

وحول الخطوة الثالثة فيلخصها بأنها "بناء المجتمع كعامل استدامة"، وهذا يتم بإنشاء تطبيقات الإبلاغ المجتمعي التي تعمل بالذكاء الاصطناعي، والتي تحوّل المواطنين إلى شركاء رصد. ولفت إلى أن هذا النموذج معتمد في المملكة المتحدة وأُعيد تكييفه في عدة مدن عربية، والذي يتيح للمواطن تصوير مشكلة في الحديقة وإرسالها مع إحداثياتها مباشرة إلى الجهة المختصة.

وشدد على أن النظام يصنّف البلاغات أوتوماتيكياً ويحدد أولوية التدخل، وعمّان تملك بنية تحتية رقمية كافية لتطبيق هذا اليوم، لكن "الإرادة المؤسسية تبقى المتغير الغائب".

مواجهة الاعتداءات

وفي شأن الاعتداء على الحدائق في الأردن فإنه يأخذ عادةً ثلاثة أشكال، عرضها الصفدي بـ"البناء العشوائي" على أطرافها، و"قطع الأشجار أو إتلافها ليلاً"، و"الاستيلاء التدريجي" على مساحاتها لأغراض مختلفة.

وقدم حلولاً لمواجهة هذه المشكلة من خلال "المراقبة الذكية بالكاميرات"، ولأن الكاميرات وحدها "لا تحمي"، فإن ثمة حاجة لتلك المرتبطة بأنظمة "رؤية حاسوبية" تكتشف تلقائياً السلوكيات "غير الاعتيادية" مثل دخول شخص إلى.....

لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه


هذا المحتوى مقدم من صحيفة الغد الأردنية

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من صحيفة الغد الأردنية

منذ 30 دقيقة
منذ ساعة
منذ ساعتين
منذ ساعة
منذ ساعتين
منذ 11 ساعة
وكالة أنباء سرايا الإخباريه منذ 3 ساعات
خبرني منذ 11 ساعة
قناة رؤيا منذ 15 ساعة
موقع الوكيل الإخباري منذ ساعتين
جو ٢٤ منذ 3 ساعات
خبرني منذ 18 ساعة
وكالة عمون الإخبارية منذ 32 دقيقة
خبرني منذ 15 ساعة