ليست أخطر الحروب تلك التي تبدأ من طموح قوة صاعدة، بل تلك التي تولد من خوف قوة مهيمنة ترى في صعود غيرها تهديداً لمكانتها.
قبل أكثر من ألفي عام، لم تكن إسبرطة تخشى ضعفها بقدر ما كانت تخشى صعود أثينا. كانت أثينا تتسع تجارةً، وتزداد نفوذاً، وتتقدم قوةً وتأثيراً، ومع كل خطوة تخطوها إلى الأمام كان القلق يتراكم داخل إسبرطة، حتى تحوّل الخوف إلى توتر، والتوتر إلى مواجهة، ثم إلى حرب طويلة أنهكت الطرفين وغيّرت وجه العالم الإغريقي.
وقد لخّص المؤرخ الإغريقي ثوسيديدس تلك اللحظة بعبارته الشهيرة: «إن صعود أثينا، والخوف الذي أحدثه ذلك لدى إسبرطة، جعلا الحرب حتمية».
منذ ذلك الحين، لم يعد «فخ ثوسيديدس» مجرد واقعة في التاريخ القديم، بل أصبح عدسة لفهم لحظات التحول الكبرى في ميزان القوة. فالمشكلة لا تكمن دائماً في صعود قوة جديدة، بل في الطريقة التي تستقبل بها القوة القائمة هذا الصعود: هل تراه فرصة لإعادة ترتيب النظام؟ أم خطراً يستوجب الحصار والمواجهة؟.
عرف التاريخ صوراً متعددة لهذا الفخ؛ من التنافس بين روما وقرطاج على البحر المتوسط، إلى الصعود الألماني الذي أقلق بريطانيا قبل الحرب العالمية الأولى، حين تحولت المخاوف إلى سباق تسلح، والتحالفات إلى قيود، والقلق السياسي إلى انفجار عالمي واسع.
غير أن الدرس الأهم ليس أن الحرب قدر محتوم كلما صعدت قوة جديدة، بل إن سوء إدارة التحول قد يجعلها ممكنة. فالتاريخ لا يدفع الأمم إلى الحرب بقدر ما تفعل الحسابات الخاطئة، والغرور الاستراتيجي، وعجز الكبار عن قبول أن العالم لا يبقى على صورة واحدة.
ومن هنا عاد مفهوم «فخ ثوسيديدس» بقوة إلى النقاش العالمي مع تصاعد التنافس بين الولايات المتحدة والصين. فالعلاقة بين واشنطن وبكين لم تعد تنافساً تجارياً عابراً، بل أصبحت اختباراً واسعاً للنظام الدولي كله: في التكنولوجيا، والذكاء الاصطناعي، وأشباه الموصلات، والطاقة، والأمن السيبراني، وسلاسل الإمداد، والنفوذ الاقتصادي.
ولأن العالم اليوم أكثر تشابكاً من أي وقت مضى، فإن كلفة الصدام بين الكبار لم تعد تقف عند حدودهم. فأي خلل في العلاقة بين قوتين عظميين يمكن أن يربك الأسواق، ويضغط على الممرات البحرية، ويعيد رسم التحالفات، ويضع الدول المتوسطة والصاعدة أمام حسابات معقدة.
هنا يبرز الخليج بوصفه مساحة شديدة الحساسية في هذا التحول. فمضيق هرمز، وأمن الطاقة، وسلاسل الإمداد، وحركة الملاحة، لم تعد ملفات إقليمية خالصة، بل مفاتيح في الاقتصاد العالمي. وأي اضطراب في هذه المنطقة لا يبقى محصوراً في جغرافيتها، بل يمتد أثره إلى أسعار الطاقة، واستقرار الأسواق، وأمن التجارة الدولية.
ولهذا لا يمكن النظر إلى الخليج بوصفه هامشاً في صراع الكبار، بل باعتباره منطقة تتأثر بالتنافس الدولي وتؤثر فيه في آن واحد. ومن هنا تأتي أهمية أن تبني دول الخليج قدرتها على المناورة الهادئة: بتنويع الشراكات، وتعزيز الأمن البحري، وتطوير الصناعات الاستراتيجية، وتوسيع الاستقلال التقني والاقتصادي، حتى لا تتحول إلى مجرد ساحة لتدافع الآخرين.
لكن العبرة لا تقف عند العلاقات الدولية وحدها. فحتى داخل الإقليم الواحد، قد يتحول التنافس بين العواصم الشقيقة إلى قوة تطوير إذا بقي في إطار التكامل، وقد يصبح عبئاً إذا قرأ نجاح القريب بوصفه تهديداً لا إضافة. فالعقل السياسي الناضج لا يخاف من صعود الشريك، بل يحسن تحويله إلى قوة جماعية أوسع.
في زمن التحولات الكبرى، لا تكفي الثروة وحدها، ولا يكفي السلاح وحده، ولا تكفي الشعارات. القوة الحقيقية تكمن في قراءة التغيير مبكراً، وإدارة الخوف بعقلانية، ومنع المخاوف من أن تتحول إلى أزمات.
فالتاريخ لا يكرر نفسه بالحروف ذاتها، لكنه يعيد إنتاج الأسئلة ذاتها كلما تبدل ميزان القوة: كيف تتصرف القوى الكبرى حين تشعر أن مكانتها تهتز؟ وكيف تتصرف القوى الصاعدة حين تقترب من مركز التأثير؟ وهل يستطيع العالم أن يدير الصعود دون أن يحوله إلى صدام؟.
ربما يكون التحدي الأكبر في هذا القرن ليس في صعود الصين، ولا في قلق أميركا، ولا في تبدل موازين القوة وحدها؛ بل في قدرة العالم على أن يتعلم من التاريخ قبل أن يعيد دفع ثمنه.
فالخطر لا يبدأ حين تصعد قوة جديدة، بل حين يفقد الكبار حكمة التعامل مع هذا الصعود
هذا المحتوى مقدم من إرم بزنس
