يسعى المغرب إلى توسيع نطاق تحصيل ضريبة القيمة المضافة على الخدمات الرقمية المقدمة من شركات أجنبية غير مقيمة، عبر منصة إلكترونية جديدة تتيح التسجيل والإقرار والأداء بشكل رقمي، بالتزامن مع تنامي استهلاك الخدمات الإلكترونية العابرة للحدود داخل السوق المغربي.
هذا المسار الضريبي الجديد المقرر تطبيقه 11 يونيو المقبل، يعتقد خبراء اقتصاد وتكنولوجيا في المغرب تحدثوا لـ«إرم بزنس»، أنه سيعزز عائداً أكبر للاقتصاد الرقمي لكنه بحاجة لرقابة فعالة لضمان العدالة التنافسية واستثمارات كبيرة في البنية التحتية والكفاءات، متوقعين أن تكون هناك تحديات تتمثل في رفع أسعار الخدمات الرقمية على المستهلك ومساس بأرباح الشركات الصغيرة والتأثير على توسعاتها المستقبلية.
كيف تعيد دول الخليج رسم خارطة نفوذها الاقتصادي في المغرب العربي؟
مسار ضريبي رقمي
في 15 مايو الجاري، أعلنت المديرية العامة للضرائب في المغرب عبر بيان، عن إطلاق منصة إلكترونية جديدة مخصصة لتدبير وجمع الضريبة على القيمة المضافة المرتبطة بالخدمات الرقمية المقدمة عن بعد، تحت اسم Taxation on digital services ، وذلك عبر البوابة الرسمية للمديرية، في خطوة جديدة لتعزيز التحول الرقمي وتوسيع الوعاء الضريبي بالمغرب.
ويبدأ عمل المنصة من 11 يونيو 2026، وتشمل هذه الإجراءات تسجيل الموردين غير المقيمين والحصول على معرف ضريبي خاص، ثم التصريح برقم المعاملات المحقق داخل المغرب بشكل ربع سنوي، إضافة إلى التصريح بالمدفوعات المتعلقة بالضريبة المستحقة، وفقاً للبيان.
تسعى هذه المبادرة، بحسب مديرية الضرائب في المغرب، إلى مواكبة التحولات المتسارعة التي يشهدها الاقتصاد الرقمي عالمياً، من خلال ضمان مساهمة المنصات الأجنبية في الجباية الوطنية، وتعزيز العدالة الضريبية بين الفاعلين المحليين والدوليين، في ظل تنامي استهلاك الخدمات الرقمية داخل المغرب خلال السنوات الأخيرة.
في أغسطس 2025، أعلن وزير التجارة والصناعة رياض مزور، في رد على سؤال كتابي بالبرلمان أن الحكومة تواصل جهودها لتقنين التجارة الإلكترونية بالمغرب التي سجلت قفزة في معاملاتها بلغت 22 مليار درهم (نحو 2.3 مليار دولار) في 2023 مع تحقيق نمو سنوي فاق 30% خلال السنوات الخمس الأخيرة، مؤكداً صدور مرسوم يلغي الإعفاء الجمركي على المعاملات التي تتم عبر المنصات الإلكترونية الأجنبية، وذلك لحماية المنتوج المحلي وتعزيز شروط التنافسية العادلة.
في فبراير 2026، أكد تقرير حديث صادر عن «Research and Markets» استمرار نمو سوق التجارة الإلكترونية بين الشركات والمستهلكين «B2C» في المغرب، حيث بلغ حجمه المتوقع 3.17 مليار دولار في نهاية عام 2025، مع توقعات بمواصلة النمو بنسبة 2.6% سنوياً حتى عام 2029 ليصل إلى نحو 3.51 مليار دولار، لافتاً إلى أن السوق المغربية تعتمد بشكل متزايد على المنصات الرقمية لتوصيل المنتجات والخدمات، مع تنوع في قنوات المبيعات بين المنصات المباشرة للمستهلك وتطبيقات التجميع والتجارة بين المستهلكين.
المدينة العتيقة، طنجة، المغرب، 10 مايو 2025.
خطوة مطلوبة لكن غير كافية
يرى رئيس المركز الإفريقي للدراسات الاستراتيجية والرقمنة، الخبير الاقتصادي المغربي، رشيد الساري، في حديث لـ«إرم بزنس» أن إطلاق منصة رقمية لتحصيل الضريبة على القيمة المضافة على الخدمات الرقمية من الشركات الأجنبية غير المقيمة يمثل خطوة مهمة في الاتجاه الصحيح نحو تعزيز العدالة الضريبية وتوسيع الوعاء الجبائي، وتعزيز الاقتصاد الرقمي.
ولفت إلى أن «الاقتصاد الرقمي يقدر بحوالي 6 إلى 7% من الناتج الداخلي الخام مع نمو يمكن أن نقول سنوياً يتضاعف بنسبة تتجاوز 10% في القطاعات كالتجارة الإلكترونية، والخدمات السحابية وكذلك المحتوى الرقمي».
مع تجاوز عدد مستخدمي الإنترنت 30 مليون مستخدم، وتجاوز نسبة انتشار الهواتف الذكية 80%، فإن سوق التجارة الإلكترونية في نمو متواصل وسريع خاصة مع خدمات الدفع الإلكتروني، وفق الساري، موضحاً أن هذه الضرائب يمكن أن تحقق مداخيل إضافية للاقتصاد تتراوح بين 1.5 إلى 2 مليار درهم سنوياً، بخلاف أن المنصة ستعزز الرقابة وتقلل التهرب الضريبي، وستحد من القطاع غير المهيكل (غير الرسمي).
بخلاف التمكن من جلب عائدات أكبر عبر هذه الضرائب وتلك المنصة، يرى الخبير الاقتصادي رشيد الساري أن تلك الخطوة ستمكن كذلك من خلق مجموعة من فرص العمل.
لكن هذا الإجراء بحسب الساري «غير كاف لتطوير الاقتصاد الرقمي المغربي الذي يحتاج كذلك إلى استثمارات في البنى التحتية والابتكار وتكوين الكفاءات الرقمية ودعم الدولة لها بتمويلات ميسرة بخلاف تشريعات لحماية البيانات وضمان المنافسة العادلة ليتحول الاقتصاد الرقمي بشكل فعلي إلى رافعة قوية للنمو والتنمية».
رغم تلك الخطوة الإيجابية إلا أن هناك تحديات محتملة جراء الضريبة، بحسب الساري، موضحاً أن هناك احتمالاً أن تكون هناك زيادة في الأسعار على المستهلكين، بخلاف صعوبة في امتثال بعض الشركات، وهذا يحتاج لرقابة فعالة لضمان تحقيق العدالة والخدمة على نحو أفضل.
تحديات
من جانبه، يرى الخبير المغربي في مجال الذكاء الاصطناعي والمستشار في مجال التحول الرقمي، زهير الخديسي، في حديث لـ«إرم بزنس»، أن تلك الخطوة تبدو في حد ذاتها منطقية لكنها متأخرة.
أوضح الخديسي أن «المغرب كان يخسر إيرادات ضريبية على استهلاك رقمي حقيقي ومتنام من شركات مثل Netflix، Spotify، AWS، Google Ads، SaaS الأجنبية، في حين أن الفاعلين المحليين يؤدون TVA (ضريبة على القيمة المضافة) كاملة على النوع نفسه من الخدمات».
اعتبر الخديسي ذلك «اختلالاً في المنافسة قبل أن يكون مشكلة تحصيل»، مشيراً إلى أن المنصة الجديدة تصحح هذا الاختلال وتتماشى مع توصيات OECD (منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية) التي اعتمدتها أكثر من 90 دولة.
عن التأثير الفعلي، يرى الخديسي أن الضريبة بالنسبة للشركات الكبيرة لن ترى ضرراً على فاتورتها لو ارتفعت بنسبة 20% لكن الشركات الصغيرة التي تعتمد على تمويل ذاتي أو في مستواها سيكون هناك أثر حقيقي على هامش الربح وسرعة التوسع.
لكن الخطوة تفتح مجالاً تنافسياً للعرض المحلي الوطني خاصة وفارق السعر تقلص مع فرض ضرائب وهذا يلزمنا أن يكون هناك بديل محلي جاهز يستوعب الطلب الذي سيكون متزايداً محلياً جراء هذه الضريبة، وفق الخديسي.
يؤكد أن الضريبة أداة لتنظيم السوق، لكنها لا تحمل استراتيجية تنموية، ولذا المغرب يحتاج مسارات موازية على الأقل لتعظيم الاقتصاد الرقمي أولها بنية تحتية سيادية حقيقية، مع توفير تمويل ودعم من الدولة ووضع إطار قانوني للذكاء الاصطناعي والبيانات.
يشير الخديسي إلى أن الضريبة ستدر إيرادات وتعدل المنافسة، ولكن مستقبل الاقتصاد الرقمي يتحدد بالقرارات الصناعية والتعليمية والقانونية، وليس بالضرائب وحدها.
بوابة لإفريقيا ومصالح لآسيا.. لماذا تتجه كوريا الجنوبية نحو المغرب؟
أرقام تعزز مسار النمو الرقمي
تمثل التجارة الإلكترونية ما بين 6.8% من إجمالي النشاط التجاري بالمغرب، مع نمو للقطاع يفوق 25% سنوياً بحسب تصريحات لوزير الصناعة والتجارة رياض مزور، في فبراير الماضي، لافتاً إلى أنه يعمل حالياً في المغرب أكثر من 100 شركة ناشئة بقطاع التجارة الإلكترونية بتكنولوجيا مطورة محلياً، مع مستهدف عمل 1000 شركة بالمغرب ودولياً.
بحسب آخر تقديرات غير رسمية نشرت في ديسمبر 2025، يواصل سوق التجارة الإلكترونية العالمية نموه مدفوعاً بالتوسع في الرقمنة وتطور تطبيقات الذكاء الاصطناعي، نحو 4.12 تريليون دولار في عام 2024 مع توقعات بارتفاعه إلى 6.48 تريليون دولار بحلول عام 2029 بمعدل نمو سنوي مركب يبلغ 9.49%.
هذا المحتوى مقدم من إرم بزنس

