ماذا نعرف عن القبائل السوريّة؟ وما علاقتها بالدولة؟

مصدر الصورة: Getty Images

قال حسين الشرع، والد رئيس الفترة الانتقالية في سوريا، أحمد الشرع، إن الجدل الذي أثارته تصريحاته بشأن محافظة دير الزور، مؤكداً أن المقطع المتداول اقتُطع من مقابلة طويلة وأُخرج من سياقه.

وجاء في حديث الشرع في المقطع المتداول جملة: "الشوايا احسن من أهل الدير".

وأوضح الشرع، في تدوينة عبر منصة فيسبوك، "أن حديثه كان يتناول العنصرية والتفرقة المناطقية التي رسخها نظاما حافظ وبشار الأسد، وما خلفته من سياسات إقصائية عانى منها أهل الريف".

وفي السطور القادمة نوضح معنى هذه المصطلحات السورية ونسلط الضوء على شريحة ليست بالقليلة من المجتمع السوري.

عندما تُطرح مفردات مثل "البدو" أو"الشوايا" أو "قبائل الفلاحين" في النقاشات حول القبائل والعشائر السورية، يتسلّل الجدل سريعاً إلى سطح الحديث. فهذه الكلمات - وإن بدت توصيفات اجتماعية أو جغرافية في ظاهرها - تحمل في العمق شحنات تاريخية وطبقية معقدة، وارتبطت أحياناً بالتمييز أو التراتبيّة الاجتماعية.

في بعض السياقات، يُنظر إلى مصطلح "البدوي" باعتباره دلالة على الأصالة والنخوة العربية، بينما يُستخدم في سياقات أخرى بطريقة تهميشية، وفق ما يصف أبناء من هذه الشريحة لبي بي سي.

ومثله "الشاوي" الذي يشير جغرافياً إلى سكان كل أرياف الشمال الشرقي السوري، لكنه قد يُحمَّل دلالات اجتماعية جارحة في الخطاب الشعبي لدى أهل المدن غالباً، وفق ما تحدث به خبراء في العلاقة بين القبائل والدولة السورية لبي بي سي.

أما "الفلاح"، فرغم ارتباطه بالأرض والعمل، إلا أنه كثيراً ما استُخدم في الأدبيات العشائرية لتمييز ابن القبيلة الريفي المستقر عن "القبلي دائم التنقل".

هذه المصطلحات إذن ليست مجرد تعريفات، بل مفاتيح لفهم البُنية الطبقية والرمزية في سوريا، وحساسية استخدامها تعكس مزيجاً من التاريخ والسياسة والانتماء.

في سوريا، تُستخدم تسميات مثل "الشوايا" و"البدو" و"الفلاحين" لتمييز أنماط حياة القبائل في مختلف المناطق.

فـ"الشوايا" اشتهروا بتربية الشاة والماعز، ويعيشون في المنطقة الممتدة من شرق نهر الفرات في سوريا حتى العراق.

أما "البدو"، فيُعتقد أنهم وصلوا لاحقاً من الجزيرة العربية، واعتمدوا على تربية الإبل والترحال في البادية الواسعة. في المقابل، يُطلق اسم "الفلاحين" على القبائل المستقرة في الجنوب، خاصة في درعا وحوران، التي امتهنت الزراعة وتربية المواشي.

ويقول الأكاديمي السوري حيّان دخان، المحاضر في جامعة تيسايد بالمملكة المتحدة والزميل الباحث في مركز الدراسات السورية بجامعة سانت أندروز البريطانية: "إن مصطلح 'القبائل العربية' هو المصطلح الجامع لجميع المفردات التي ذكرناها وأقلّها حساسية وتعقيداً".

ويوضّح أن كلمة "الشوايا" كانت مرتبطة تاريخياً "بصورة نمطية للتخلف" ويعزو ذلك إلى ما وصفه بـ "قلة معرفة مكونات المجتمع السوري بأفكار وتقاليد بعضها بعضاً". وبيّن أن خلال سنوات الصراع الماضية اكتسبت هذه الكلمة هوية جديدة، "مصحوبة بالشجاعة والقوة في مواجهة النظام".

"العلاقة بين هذه القبائل والمدن تحوّلت إلى صراع رمزي؛ إذ رأت المدن نفسها كمناطق امتياز، فيما اقتربت القبائل الريفية من تسميات المقاومة والهوية الزراعية الأصيلة". كما أن أبناء القبائل "يرون أن ظلماً وقع عليهم من نظام البعث بعد الثورة، حيث كانوا هم من تصدوا إلى آلة القمع"، وفق دخان الباحث المتخصص في الديناميات القبلية في سوريا.

من أين جاؤوا؟ وأين يقطنون؟ ويقول الباحث السوري حيّان دخان - مستنداً إلى دراسات غير رسمية - إن عدد أفراد القبائل يشكل نحو 30 إلى 40 في المئة من المجتمع السوري الذي يصل عدد أفراده إلى أكثر من 25 مليون نسمة داخل سوريا. وتجدر الإشارة إلى وجود تباين في التقديرات بسبب النزوح المستمر واللجوء بسبب الحرب.

هناك صعوبة كبيرة لدى النسّابين العرب والأنثروبولوجيين في تقديم خارطة دقيقة لأصول هذه القبائل، نظراً لقدم وجودها في المنطقة، وأيضاً بسبب تعدد المناطق والأقاليم التي جاؤوا منها، والتفاوت التاريخي في الوصول لهذه المناطق.

ولعل أفضل طريقة للتعرف على المكون الاجتماعي هو أن ننطلق في رحلة إلى عمق الصحراء الشاسعة، حيث تعيش مجتمعات قبلية تشكل جزءاً من تركيبة الهوية السورية منذ القدم وحتى الدولة المعاصرة.

تعود أصول العشائر السورية إلى قبائل عربية هاجرت واستقرت في مناطق البادية والفرات وحوران منذ قرون طويلة، وامتدت جذورها في محيط يتجاوز حدود الدولة الحديثة. شكّلت هذه العشائر بُنية اجتماعية متماسكة، تقوم على الانتماء لرابطة الدم والنسب والعرف العشائري، وتتكئ على مفاهيم الكرم والولاء، ويحركها في أحيان كثيرة الثأر وحل النزاعات ضمن إطارها الخاص.

رغم غياب الإحصاءات الرسمية الدقيقة، تُقدّر دراسات - وأحدثها ما قدمه مركز جسور للدراسات - أن في سوريا ما بين 25 إلى 40 قبيلة عربية رئيسية، تتوزع على مختلف المحافظات وتشكل جزءاً مهماً من التركيبة الاجتماعية، خاصة في الشرق والشمال والجنوب.

وتنحدر هذه القبائل من جذور تاريخية عريقة، وتنقسم داخلياً إلى مئات العشائر الفرعية، بعضها يحتفظ ببنيته التقليدية، بينما تحول بعضها الآخر إلى روابط عائلية بفعل التحولات الديموغرافية التي فرضتها سنوات الحرب والنزوح.

واعتمدت الدراسة، التي نشرها مركز جسور للدراسات عام 2021، على مقابلات مع 28 شخصية من وجهاء القبائل وخبراء محليين، دون ذكر لمراجع تاريخية أو مناهج إحصائية دقيقة، مركّزة على القبائل المنتشرة في الجزيرة السورية (دير الزور، والرقة، والحسكة) والمنطقة الوسطى (حمص، وحماة) والجنوب السوري (درعا، والسويداء، والقنيطرة)، وأشارت إلى أن كثيراً من العلاقات القبلية في مناطق مثل ريف دمشق تحوّلت إلى صيغ أكثر عائلية ومدنية.

يُشار إلى أن التوزيع الجغرافي والهيكلية الداخلية للقبائل شهدا تغيّرات كبيرة خلال سنوات الصّراع، ما أدى إلى تراجع بعض النفوذ التقليدي، وتحوّل الروابط القبلية إلى طابع اجتماعي أكثر فردية في عدة مناطق.

كما أن هناك العديد من العشائر والبطون التابعة لهذه القبائل، مما يجعل دراسة البُنية القبلية في سوريا غنية ومتشعبة، لكنها تفتقر حتى الآن إلى مبادرات توثيق منهجية دقيقة، أو إحصاءات حكومية معترف بها.

وتنشط قبيلة عنزة في محافظات دير الزور والرقة والحسكة وحلب، إلى جانب قبيلة شمر المنتشرة في الحسكة ودير الزور وفي عموم الجزيرة السورية.

في شرق سوريا، تُعد قبيلة العقيدات من أكثر القبائل حضوراً، وتتركز في محافظتي الرقة ودير الزور، كما تنشط قبيلة البقارة في الحسكة والرقة ودير الزور. وتمتد قبيلة الجبور في تلك المناطق أيضاً، حيث تشكل وجوداً مهماً في الرقة والحسكة. كذلك تنتشر قبيلة الدليم في البادية الشرقية ودير الزور.

أما في الوسط والجنوب السوري، فتظهر قبيلة النعيم في الرقة وحمص ودمشق ودرعا، بينما تحضر بني خالد في حمص وحماة ودير الزور والرقة. وتوجد قبيلة الظفير بشكل رئيسي في الجزيرة الفراتية شرق البلاد، وكذلك الولدة في الرقة ودير الزور ومناطق البادية، إلى جانب قبيلة اللهيب التي تتمركز في الرقة ودير الزور.

تشمل الخارطة القبلية أيضاً قبيلة العبيد في دير الزور والحسكة، والمحاميد في منطقة حوران ودرعا، والحريري التي تمتد من درعا إلى دمشق وحلب. وتتمركز الزعبي والمسالمة في حوران وجنوب سوريا، فيما تنتشر بني صخر في السويداء ودرعا والبادية الجنوبية.

في المناطق الشمالية والشرقية، تنتشر قبيلة كنانة في الرقة ودير الزور والحسكة، وتُعد العفادلة من القبائل النشطة في الرقة والبادية الوسطى، وتوجد الحديدين أيضاً في الرقة ودير الزور.

تراجع النفوذ التقليدي وصعود الشخصيات العسكرية يقول الدكتور حيّان دخان: "إن بُنية الزعامة التقليدية في القبائل السورية شهدت تراجعاً تدريجياً منذ عقود، متأثرة بانتشار التعليم، وتقلّص الاعتماد على النمط الرعوي، فضلاً عن الزحف الواسع نحو المدن".

ويضيف: "بيت المشيخة، الذي كان يحتكر القرار داخل القبيلة، تضاءل تأثيره بسبب تغيّرات اجتماعية عميقة، أبرزها صعود الطبقات المتعلّمة وتحوّل أنماط العيش".

لكن مع اندلاع الثورة السورية وتفكك سلطة الدولة المركزية، برزت مجدداً الهويات المحلية والولاءات الفرعية، مما أعاد بعض شيوخ القبائل إلى المشهد، لا سيما أولئك الذين راكموا النفوذ من خلال امتلاكهم السلاح والأرض والمال وشبكات من العلاقات الداخلية والخارجية، بما في ذلك مع أطراف إقليمية فاعلة.

ويوضح دخان أن كاريزما الزعيم القبلي ما.....

لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه


هذا المحتوى مقدم من بي بي سي عربي

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من بي بي سي عربي

منذ 6 ساعات
منذ 6 ساعات
منذ 3 ساعات
منذ 9 ساعات
منذ 3 ساعات
منذ 8 ساعات
صحيفة الشرق الأوسط منذ 12 ساعة
سي ان ان بالعربية منذ 14 ساعة
قناة روسيا اليوم منذ 15 ساعة
قناة روسيا اليوم منذ 12 ساعة
قناة روسيا اليوم منذ 15 ساعة
بي بي سي عربي منذ 17 ساعة
قناة روسيا اليوم منذ 21 ساعة
قناة روسيا اليوم منذ 4 ساعات