مكة التاريخ الذي لا ينقطع. من العهد الإبراهيمي إلى رؤية 2030

ثمة مدن يكتبها المؤرخون، وثمة مدن يكتبها الإيمان نفسه في ذاكرة البشر. ومكة من هذا النوع النادر من المدن التي تجاوزت حدود الجغرافيا لتصبح جزءا من الوعي الديني والحضاري لمئات الملايين عبر قرون طويلة. فهي ليست مجرد مدينة نشأت ثم تطورت كغيرها من المدن، بل مركز لمعنى استمر حيا عبر التاريخ، وظلت الأجيال تتوارث حضوره الروحي والرمزي جيلا بعد جيل.

ويبدأ هذا التاريخ في الوعي الإسلامي من أفق أسبق من إبراهيم عليه السلام، إذ يُنظر إلى البيت الحرام بوصفه بيتا موغلا في القِدم، ارتبط بعبادة التوحيد منذ العصور الأولى للإنسان. ومن هذا المعنى يُفهم قول الله تعالى: {إن أول بيت وُضع للناس للذي ببكة مباركا وهدى للعالمين}، إذ يُقدَّم ذكر «البيت» من حيث الأصل والوظيفة قبل تفصيل مرحلته الإبراهيمية. ثم تأتي مرحلة إبراهيم عليه السلام بوصفها تجديدا وبعثا لمعالم هذا البيت وإعادة رفع قواعده، كما في قوله تعالى: {وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل}.

ووفق هذا التصور الممتد في الوعي الإسلامي، لا تُفهم مكة بوصفها بداية تاريخية طارئة، بل بوصفها مركزا توحيديا سابقا في أصله، تتابعت عليه الرسالات، وتجددت فيه معالم الهداية، حتى استقر في صورته الإبراهيمية التي شكّلت المرجع الأوضح في الذاكرة الدينية اللاحقة.

وترتبط البدايات القديمة لمكة أيضا بقصة هاجر وابنها إسماعيل عليهما السلام، حين تفجرت زمزم في وادٍ غير ذي زرع، فصار الماء بداية العمران، وصار البيت بداية الاجتماع البشري حول المكان المقدس. ولهذا نشأت مكة بوصفها مدينة تدور حول العقيدة قبل أن تدور حول السلطة أو الثروة، وهي خصوصية نادرة في تاريخ المدن.

ومع مرور الزمن أصبحت مكة مركزا دينيا وتجاريا مهما في الجزيرة العربية. فقد استفادت قريش من مكانة الكعبة في الوجدان العربي، ومن الموقع التجاري الذي ربط جنوب الجزيرة بشمالها، وهو ما تشير إليه رحلة الشتاء والصيف في القرآن الكريم. كما نشأت حول الحرم منظومة اجتماعية ذات طابع خاص، من أبرزها السقاية والرفادة؛ أي خدمة الحجاج وإطعامهم، وهي وظائف اكتسبت مكانة معنوية كبيرة عند العرب قبل الإسلام.

ولعل من أعمق المعاني التي ارتبطت بمكة عبر تاريخها الطويل معنى «الأمن»، فالحرم لم يكن موضع عبادة فقط، بل فضاء تُعلق فيه الصراعات وتُؤمن فيه الطرق والأنفس. ولهذا ارتبط ازدهار الحج تاريخيا بقدرة الدول على حماية الطريق إلى مكة وضمان أمن الحجيج، وهو ما ظل عنصرا مركزيا في مكانة المدينة عبر العصور.

ولم تكن مكة معزولة عن حركة الأنبياء والطرق القديمة في الوعي الإسلامي؛ فقد ارتبطت بعض المواضع القريبة منها، مثل عسفان، بمرور الأنبياء وقوافل الحج القديمة، كما ارتبطت طرقها بحركة القوافل والأسفار التي عبرت الجزيرة العربية قرونا طويلة. ولهذا لم تكن مكة مجرد مركز ديني محلي، بل نقطة عبور حضاري وإنساني أيضا.

ثم جاءت البعثة النبوية لتمنح مكة بعدها التاريخي الأعظم. ففيها نزل الوحي على النبي محمد، ومنها بدأت الدعوة الإسلامية الأولى، وفي شعابها وأسواقها تشكلت المرحلة المؤسسة للإسلام. وشهدت مكة سنوات الصراع الأولى بين الدعوة الجديدة وقريش، ثم تحولت لاحقا إلى لحظة فارقة في التاريخ الإسلامي مع فتح مكة، حين دخلها النبي ﷺ فاتحا، وطهر الكعبة من الأصنام، لتعود مرة أخرى مركزا للتوحيد كما ارتبطت بإبراهيم عليه السلام.

ومنذ ذلك الوقت أصبحت مكة قلب العالم الإسلامي الروحي، ومقصد المسلمين في الحج، ومسرحا لأحد أكبر الاجتماعات البشرية الدورية في التاريخ. ولم يكن الحج مجرد شعيرة دينية فحسب، بل كان أيضا وسيلة ضخمة للتواصل الحضاري بين المسلمين. فالحجاج حملوا معهم اللغات والعادات والمعارف والبضائع والأفكار، ثم عادوا بها إلى أوطانهم، وهو ما جعل مكة حاضرة بقوة في المدونات.....

لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه


هذا المحتوى مقدم من صحيفة الوطن السعودية

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من صحيفة الوطن السعودية

منذ 6 ساعات
منذ 5 ساعات
منذ 4 ساعات
منذ 48 دقيقة
منذ ساعة
منذ 5 ساعات
صحيفة عكاظ منذ 16 ساعة
صحيفة الشرق الأوسط منذ 7 ساعات
صحيفة الشرق الأوسط منذ 8 ساعات
صحيفة سبق منذ 15 ساعة
صحيفة عكاظ منذ 11 ساعة
صحيفة الشرق الأوسط منذ 4 ساعات
صحيفة الوئام منذ 35 دقيقة
صحيفة الشرق الأوسط منذ 3 ساعات