يا أبناء الجنوب الصامدين، يا حرّاس الثغور وآخر حصون الكرامة في زمن انهيار المعاني وموت الضمائر، قفوا معي على أعتاب هذه المدينة الطاهرة التي عصفت بها رياح الغدر ولوّثتها أيدي الغزاة، لنقرأ سويًا فصول المأساة، ولننظر كيف يُراد لنا أن نستقبل الذئاب بالأغاني، ونستبدل الأكفان بالأعلام الملوّنة، ونحوّل مآتمنا إلى مهرجانات فرحٍ مصطنع.
في الثاني والعشرين من مايو، وفي كل عامٍ يعود هذا التاريخ اللعين كالطاعون الذي لا يغادر الجسد، تُشرع أبواب عدن الطاهرة قسرًا لاحتفالٍ لا يشبهنا، لفرحٍ مسروقٍ من دموعنا، لابتهاجٍ مغتصبٍ كاغتصاب الأرض والعرض. تُفرش الساحات بالأضواء، وتُعلّق الرايات التي لم تخفق يومًا إلا لتُعلن موتنا، وتُدقّ الطبول التي لا يزيد رنينها عن كونه صدى لطلقات الرصاص التي اخترقت صدور أبنائنا. أيّ احتفالٍ هذا يُراد له أن يُقام فوق أرضٍ لم تجفّ دماؤها بعد، وفي مدينةٍ لا تزال جدرانها تنزف ذكريات القصف والحصار والإبادة؟
ليس احتفالًا ما يُدعون إليه، بل هو استكمالٌ لحلقات الإذلال، وتتويجٌ لمشروع المحو والطمس، وتجديدٌ لبيعة الخنوع التي أبيناها جيلًا بعد جيل. إنه الاحتفال الذي يُكرّس "اليمننة"، تلك السياسة الشيطانية التي أرادت أن تسلبنا اسمنا وتاريخنا وجذورنا، أن تمحو جنوبنا من الخرائط كما مُحي من الكتب المدرسية، أن تجعل من أبنائنا غرباء في ديارهم، ومن أرضنا إقليمًا تابعًا لا شأن له ولا قرار.
أيّها الجنوبيون الأحرار، إن الاحتفال بهذا اليوم النجس ليس احتفالًا عابرًا أو مناسبةً بريئة، بل هو طقسٌ من طقوس الاحتلال، وشعيرةٌ من شعائر الغزاة الذين يريدون أن يروكم راكعين طائعين، تصفّقون لمن قتلكم، وتهللون لمن سلبكم، وترفعون الأعلام التي لفّوا بها جثامين شهدائكم. إنه تتويجٌ لمشروع الإذلال، وإعلانٌ بأن الجريمة قد اكتملت، وأن الضحية قد سلّمت بجلّادها وتبنّت أعياده ونسيت جراحها.
في كل زاوية من زوايا عدن، ثمّة حكاية دم، وفي كل حارة من حاراتها، ثمّة أمّ ثكلى لم تجد جثمان ابنها لتدفنه، وأرملةٌ لم تجفّ دموعها، وطفلٌ يتيمٌ يسأل عن أبيه الذي غاب في إحدى حروب "الوحدة" المزعومة. في كل شبر من هذه الأرض الطاهرة، ثمّة شهيدٌ سقط دفاعًا عن كرامة الجنوب، ثمّة جريحٌ ما زال يحمل في جسده شظايا القصف، ثمّة معتقلٌ قضى سنين في سجون الغزاة لمجرد أنه قال بصوتٍ عالٍ: الجنوب ليس للبيع.
فكيف لنا بعد كل هذا أن نفتح بيوتنا للغزاة؟ كيف لنا أن نزيّن شوارعنا لمن دمّروها؟ كيف لنا أن نرفع أصواتنا بالغناء وقد صمتت حناجر الشهداء إلى الأبد؟ أيّ خيانةٍ هذه التي تُراد لنا أن نقترفها في حق دمائنا الزكية، وأيّ عارٍ هذا الذي يُطلب منا أن نلبسه طائعين مختارين؟
إن ما يسمّونه احتفالًا بالوحدة ليس إلا احتفالًا باستمرار الاحتلال، واحتفاءً بنجاح سياسات الطمس والإفقار والإقصاء، وطمأنةً للغزاة بأن عدن قد استسلمت، وأن الجنوب قد نسي، وأن جراحنا قد اندملت. كلا ورب الكعبة، لم تندمل جراحنا ولن تندمل، ولم ننسَ ولن ننسى، ولم نستسلم ولن نستسلم. إن ذاكرتنا أطول من أعمارهم، وصبرنا أصلب من حديد دباباتهم، وإرادتنا أقوى من كل محاولاتهم اليائسة لطمس هويتنا.
إن الاحتفال في عدن الطاهرة بذكرى الوحدة هو ضربٌ من ضروب النجاسة المعنوية والتاريخية. إنه نجاسةٌ تدنّس طهارة المدينة التي ظلّت عصيّةً على كل الغزاة عبر التاريخ. إنه تلويثٌ لذاكرة الأرض التي شهدت مقاومة المحتل البريطاني، وشهدت بناء الدولة الجنوبية المستقلة، وشهدت صمود أبنائها في وجه آلة الحرب الشمالية. عدن الطاهرة لا تقبل النجاسة، وتربة شهدائها لا تتحمل رقص الخونة، وهواءها النقي لا يحتمل دخان الاحتفالات المسمومة.
يا أبناء الجنوب، يا ورثة المقاومة ويا حملة لواء الحرية: لا تدعوا هذا الاحتفال النجس يمرّ وكأنه قدرٌ.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من صحيفة 4 مايو
