أربيل (كوردستان 24)- في وقت تمر فيه المفاوضات الإيرانية الأمريكية بمرحلة مفصلية لإنهاء الصراع المحتدم، تبرز شخصية الجنرال أحمد وحيدي، قائد الحرس الثوري الإيراني، كلاعب محوري في صياغة السياسة الخارجية والعسكرية للبلاد. وبينما تتعلق الأنظار بما ستؤول إليه الجهود الدبلوماسية، يرى خبراء أن وحيدي نجح في تعزيز موقعه داخل "الدائرة الضيقة" المحيطة بالمرشد الأعلى الجديد، آية الله مجتبى خامنئي، مما يجعله المحرك الرئيس للموقف الإيراني المتشدد في هذه المرحلة.
نفوذ متصاعد وتغيرات في هرم القيادة
منذ الأحداث التي شهدها شهر فبراير 2026، والتي تلتها متغيرات في هيكلية القيادة العليا وصعود آية الله مجتبى خامنئي، تشهد الدوائر السياسية في طهران حالة من إعادة ترتيب مراكز اتخاذ القرار. وفي ظل هذا المشهد، يشير معهد دراسات الحرب (ISW) في واشنطن إلى أن وحيدي والدائرة المقربة منه قد أحكموا تنسيقهم ليس فقط على الصعيد العسكري، بل على المسار التفاوضي أيضاً.
ورغم أن وحيدي لم يظهر علناً بشكل مكثف مؤخراً، إلا أن تقارير إعلامية حول لقاءاته مع مسؤولين إقليميين، كوزير الداخلية الباكستاني، تعزز الاعتقاد بأنه بات يمثل "حلقة الوصل" الرئيسية في التواصل مع الأطراف الدولية. وتأتي هذه الأهمية في ظل تراجع نسبي لنفوذ الجناح الذي يمثله رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف ووزير الخارجية عباس عراقجي، اللذين واجها انتقادات داخلية بعد مفاوضات باكستان في أبريل الماضي.
استراتيجية "التحدي والمقاومة"
تعتمد الرؤية التي يمثلها وحيدي في التفاوض على مبدأ السيادة الصارمة، وهو ما يفسر تمسك طهران بمواقفها تجاه ملف اليورانيوم المخصب. ويرى كينيث كاتزمان، الخبير في شؤون الشرق الأوسط، أن وحيدي ينطلق من عقلية تؤمن بضرورة الندّية الكاملة في مواجهة الضغوط الأمريكية.
وتتجلى هذه الرؤية في المواقف الصارمة المتعلقة بأمن الممرات المائية والطاقة، حيث تراهن هذه التوجهات على قدرة إيران على الصمود الاقتصادي والعسكري، بافتراض أن الإدارة الأمريكية الحالية ستتجنب الدخول في مواجهة شاملة قد تضر بمصالحها ومصالح حلفائها في المنطقة.
مسيرة مهنية في قلب المؤسسة العسكرية
وُلد أحمد وحيدي في شيراز عام 1958، والتحق بالحرس الثوري عقب ثورة 1979، حيث تدرج في المناصب الاستخباراتية والعسكرية حتى تولى قيادة "فيلق القدس" في مراحل تأسيسه الأولى.
وعلى مر العقود، شغل وحيدي مناصب سيادية رفيعة، من بينها وزير الدفاع ووزير الداخلية، وهو ما منحه خبرة مزدوجة في إدارة الملفات الأمنية والسياسية. ورغم التحديات والقضايا الدولية التي أثيرت حول اسمه في فترات سابقة، إلا أن طهران ظلت تؤكد على نزاهة دوره كمسؤول رسمي في الدولة.
إدارة الأزمات وصناعة القرار
يرى المحلل كامران بخاري أن وحيدي وشخصيات قيادية أخرى لا يكتفون بإدارة الملفات العسكرية، بل يساهمون في "إعادة صياغة هيكلية الحكم" من خلال إدارة الأزمات المتلاحقة. هذا الدور المتنامي للمؤسسة العسكرية والأمنية أدى إلى نوع من التداخل مع الأدوار المدنية، حيث بدا حضور الرئيس مسعود بزشكيان محصوراً في أطر معينة، رغم تأكيده المستمر على التنسيق المباشر مع القيادة العليا.
وتؤكد هولي داغريس، الزميلة في معهد واشنطن، أن القيادة الجديدة تتبنى نهجاً يتسم بالتنسيق الوثيق مع الحرس الثوري، مما يجعل آفاق الانفراجة الدبلوماسية محكومة بمدى التوافق بين هذه القوى المؤثرة.
معضلة المفاوض الدولي
يواجه الوسطاء والمفاوضون الدوليون تحدي التعامل مع مراكز القرار المتعددة في إيران. وبينما تبحث واشنطن عن مسارات تفاوضية مستقرة، تبدو منظومة الحكم الإيرانية اليوم كبنية متداخلة من القوى. ويقول حميد رضا عزيزي، الخبير في معهد الشرق الأوسط: "المشهد ليس رهناً بشخص واحد؛ وحيدي لاعب أساسي ضمن فريق قيادي يدير المرحلة بحذر شديد".
ختاماً، يمثل أحمد وحيدي نموذجاً للتحول نحو "إدارة الأزمات" في إيران، حيث تتشابك المهام العسكرية بالدبلوماسية. ومع استمرار التحولات في هرم السلطة، يبقى وحيدي رقماً صعباً في معادلة الاستقرار الإقليمي، مما يجعل أي تفاهمات مستقبلية رهناً بمدى القدرة على التعامل مع الرؤية الاستراتيجية التي يمثلها هذا الجناح في القيادة الإيرانية.
المصدر: AP
هذا المحتوى مقدم من كوردستان 24
