عندما أكبر في السن.. هل أستسلم؟ - بقلم.. أ.د.مرزوق يوسف الغنيم الأمين العام - المركز العربي لتأليف وترجمة العلوم الصحية

الأمين العام - المركز العربي لتأليف وترجمة العلوم الصحية

عندما يكبر الإنسان في السن تطرأ على جسمه تغيرات حيوية تبدو مظاهرها تدريجيا على النحو الآتي:

٭ تغيرات في المظهر الخارجي حيث تبدأ التجاعيد وظهور الشيب في الشعر.

٭ ضعف الكتلة العضلية والعظمية، وتآكل الغضاريف وضعف المفاصل.

٭ ضعف في الحواس حيث يبدأ ضعف تدريجي في السمع والرؤية.

٭ انخفاض كفاءة الجهاز المناعي، وبطء عمليات التمثيل الغذائي.

٭ ضعف الذاكرة والبطء في استرجاع المعلومات.

وهذه التغيرات ليست مشكلة في حد ذاتها، بل المشكلة في مواجهتها وتأثيرها في حياة الشخص. تبدأ مشكلة مواجهة هذه الأعراض وتأثيرها في حياة الشخص عندما يستسلم داخليا، وذلك عندما يتخلى عن نفسه، ويستسلم لعلامات صغيرة تتراكم مع الوقت، ومن هذه العلامات التي تظهر عليه:

٭ عندما يفقد الإنسان رغبته في التعلم أو التجربة.

٭ عندما يرسخ في ذهنه الخوف من الفشل بصورة أقوى من الرغبة في المحاولة.

٭ عندما لا تكون لديه أهداف جديدة.

٭ عندما ينسحب من الناس والحياة ويفضل العزلة.

٭ عندما يرسخ في ذهنه عبارة: لم تعد لدي القوة لأن أقوم بعمل ما.

والحقيقة أن كثيرا من الأطباء قد بينوا أن الإنسان قد يبقى قويا ومشرقا حتى وهو في سن متقدمة إذا أصبح لديه حب للحياة، والفضول في التعلم، وأن يكون لديه دافع داخلي قوي.. إذن السر ليس في مقاومة العمر، بل في مقاومة الانطفاء الداخلي، حتى إننا نرى بعض كبار السن أكثر حيوية من شباب كثيرين، لأن لديهم شعورا داخليا بأن لهم دورا ورسالة وأملا.. المهم ألا يكون استسلاما داخليا للشيخوخة، بينما الأمل والعمل والعلاقات الاجتماعية، ومتابعة المعرفة تمنح الروح قدرة على البقاء مهما تقدم العمر.

وليام فرانكلاند William Frankland طبيب وعالم بريطاني مشهور، ويعتبر أحد الرواد الأوائل في مجال طب الحساسية، وكان قد ساهم في تطوير العلاج المناعي للحساسية، حيث طور العلاج الذي يعتمد على تعريف الجسم تدريجيا لمسببات الحساسية.. ولد هذا العالم عام 1912م واستمر في نشاطه الطبي والعلمي، خلال الحرب العالمية الثانية، وقد تعرض للأسر في اليابان، وعاش خلالها تجربة قاسية، ولكنه عاد ليكمل مسيرته العلمية بنشاط لافت، حيث إن هذه التجربة عززت لديه الصلابة النفسية، وجعلته يؤمن بأن قوة الإنسان ليست فقط في جسمه، بل في قدرته على عدم الاستسلام، وعلى أن العمر الزمني لا يحدد حيوية الإنسان ونشاطه، وأن الاستمرار في العمل والعطاء مرتبط بالحافز الداخلي لنا أكثر من كونه مرتبطا بالسن، استمر وليم فرانكلاند في نشاطه حتى وفاته عام 2020م، وهذا يعني أنه استمر في العمل ما يقارب 108 سنوات، ولما سئل عن نشاطه الدائم قال: لا تنقطع عن الحياة!

إن أعظم ما نواجهه ليس الشيخوخة بل هو لحظة الاستسلام من داخلنا. وأن قوة الإنسان ليست فقط في جسمه، بل في قدرته على الاستمرار في الحياة، وعدم الاستسلام.

المشكلة أن كثيرا من الناس عند وصولهم لسن معينة يفقدون الاهتمام بأنفسهم، ويبدأون العيش على الوضع الذي هم عليه. وهنا يلتقط الجهاز العصبي هذا الشيء.. فتقل الطاقة، ويدخل الجسم في دائرة الكسل، وهنا تبدأ لحظات الانفصال عن الحياة.

وقد تحدث عدد من العلماء عن هذا الموضوع، ومنهم فيكتور فرانكل Victor, Frankl 1997-1905 فقد قال وهو يتحدث عن مواجهة الانهيار الداخلي: «إن الإنسان يمكنه أن يتحمل أقسى الظروف إذا كان لديه سبب يعيش من أجله» وأن «الإنسان لا يهزم بسبب الألم، بل يهزم حين يفقد معنى الحياة». وفي تجربة قام بها داخل أحد معسكرات الاعتقال لاحظ أن الذين استسلموا داخليا كانوا أول من ينهار بغض النظر عن قوتهم الجسمية.

متى يشيخ الإنسان؟ هذه الحالة تحدث عندما يعتقد الإنسان أن محاولاته في العيش لا جدوى منها.. فيتوقف عن المحاولة حتى لو كانت الفرص متاحة.. هذه الحالة تمثل كيف يكون الاستسلام الداخلي سببا في أن يشيخ الإنسان قبل أوانه.. هذا ما ذكره عالم النفس والمختص بعلم النفس الإيجابي مارتن سيليغمان 1942 Martin Seligman، حيث يقول: «قد يحقق الاستسلام الداخلي السلام النفسي، إلا أن الاستسلام الزائد للواقع قد يؤدي إلى عدم الرغبة في التغيير أو التطوير، فبدلا من السعي لتحسين الظروف، أو حل المشكلات، يكتفي الشخص بقبول الوضع الراهن كما هو، مما يعيقه عن تحقيق إمكاناته الكاملة».

أما عالم النفس الكندي ألبرت باندورا 2021-1925م Albert Bandura فيقول عن «الكفاءة الذاتية»: هي إيمان الإنسان بقدرته على التأثير في مجرى حياته.. فلو فقد الإنسان هذا الإيمان فإنه يتراجع نفسيا، ويصبح أكثر عرضة للاستسلام حتى لو كانت قدراته الحقيقية لم تتغير.

ويقول عالم النفس الأميركي رولوماى 1949-1909م Rollo May: إن هروب الإنسان من مواجهة القلق يفقده شجاعته، ويبدأ في الانكماش الداخلي، وهو ما يمهد لحالة الاستسلام التي تفرغ الحياة من معناها.

هؤلاء العلماء الذين ذكرناهم إذا لاحظنا أعمارهم نجد أنها تعدت الثمانين عاما.. وهذا يعني أنهم اقتنعوا بنظرياتهم، وتم تطبيقها على أنفسهم، وهذا ما يؤكد أنها نظريات سليمة.

كما يرى الأطباء العرب القدامى أن للنفس أثرا بالغا في قوة الإنسان الجسمية حتى وإن لم يبلغ الإنسان من العمر مبلغا كبيرا. وقد أدرك هؤلاء الأطباء العلماء عن طريق حدسهم العلمي، وبتجاربهم الطويلة أن الإنسان لا ينهار بسبب العمر وحده، بل ينهار حينما يفقد دوافعه الداخلية، وحين يستسلم للحزن والعجز والقنوط، لذلك كان هؤلاء العلماء دائما ما يربطون بين صحة الجسم وحيوية النفس، ويؤكدون أن التمسك بالأمل والاعتدال النفسي من أهم أسباب طول العمر واستمرار النشاط.

يقول ابن سينا 980-1037م: إن النفس تؤثر مباشرة في قوى البدن، وأن مشاعر الحزن الطويل، والخوف، واليأس تؤثر في نفسية الإنسان فتحرمه النشاط والحيوية.. وأن النفوس تشيخ قبل الأبدان، وأكد أن السرور، والتفاؤل، والاشتغال بما ينفع النفس يساعد على حفظ الصحة، وتأخير.....

لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه


هذا المحتوى مقدم من صحيفة الأنباء الكويتية

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من صحيفة الأنباء الكويتية

منذ 4 ساعات
منذ 3 ساعات
منذ 8 ساعات
منذ 5 ساعات
منذ 4 ساعات
منذ 3 ساعات
صحيفة الجريدة منذ 20 ساعة
شبكة سرمد الإعلامية منذ 6 ساعات
صحيفة القبس منذ 9 ساعات
صحيفة القبس منذ 9 ساعات
صحيفة القبس منذ 4 ساعات
صحيفة السياسة منذ 6 ساعات
وكالة الأنباء الكويتية منذ 6 ساعات
صحيفة الراي منذ 4 ساعات