دفعت الحرب الأخيرة في الشرق الأوسط، وما رافقها من اضطرابات في الملاحة عبر «مضيق هرمز»، دول المنطقة وشركات النقل العالمية إلى إعادة التفكير في مسارات التجارة والطاقة، وسط ظهور البديل السوري كممر يربط الخليج والعراق بالبحر المتوسط وأوروبا.
وفي وقت تتجه فيه الأسواق إلى تنويع سلاسل الإمداد وتقليل الاعتماد على مسار واحد، تحاول دمشق استثمار التحولات الجيوسياسية لإعادة تموضعها على خريطة النقل الإقليمي والدولي.
وفقاً لتقرير نشرته نيويورك تايمز، بدأت دول خليجية وعربية، بينها الإمارات والعراق، بالفعل استخدام الأراضي السورية لنقل النفط والبضائع براً قبل إعادة شحنها عبر الموانئ السورية إلى الأسواق الأوروبية، في ظل استمرار المخاوف المرتبطة بأمن الملاحة في الخليج.
وأشار التقرير إلى أن بغداد بدأت نقل النفط الخام عبر سوريا بعد تعطل بعض مسارات الشحن التقليدية، فيما تعبر أحياناً أكثر من 400 شاحنة صهريج يومياً الحدود السورية باتجاه ميناء بانياس على البحر المتوسط.
نقطة تحول في دور سوريا
قال مازن علوش، مدير العلاقات في الهيئة العامة للمنافذ والجمارك السورية، في تصريحات لـ«إرم بزنس»، إن إغلاق مضيق هرمز وما رافقه من اضطرابات في حركة الملاحة الدولية شكّل «نقطة تحوّل مهمة» في نظرة دول المنطقة وشركات النقل العالمية إلى سوريا، ليس فقط كسوق محلية أو دولة عبور محدودة، بل كممر استراتيجي قادر على لعب دور محوري في حركة التجارة والطاقة بين الخليج العربي والبحر المتوسط وأوروبا.
أوضح علوش أن ارتفاع المخاوف المرتبطة بأمن الملاحة في الخليج، إلى جانب زيادة تكاليف التأمين والشحن عبر المسارات التقليدية، دفع العديد من الشركات والدول إلى إعادة تقييم شبكات الإمداد الخاصة بها والبحث عن مسارات بديلة أكثر مرونة واستقراراً، ما أعاد تسليط الضوء على الجغرافيا السورية بوصفها نقطة وصل طبيعية بين آسيا وأوروبا.
أرقام تعكس تحركاً فعلياً
أشار علوش إلى أن التحول لم يبقَ ضمن الإطار النظري، بل انعكس مباشرة على حركة الموانئ السورية، حيث استقبل مرفأ اللاذقية منذ بداية عام 2026 أكثر من 244 باخرة، بينها سفن حاويات وبواخر بضائع عامة ومواد أولية، بحجم مناولة تجاوز 1.85 مليون طن من البضائع المستوردة والمصدّرة. كما استقبل مرفأ طرطوس خلال الأشهر الأربعة الأولى من العام الحالي 298 باخرة، بينها 266 باخرة بضائع، بإجمالي مناولة تجاوز 2.75 مليون طن.
أضاف أن هذه الأرقام تعكس «تحولاً حقيقياً» في حركة التجارة الإقليمية، وأن سوريا بدأت تستعيد تدريجياً دورها الطبيعي كممر لوجستي إقليمي، خاصة مع تنشيط خطوط الترانزيت القادمة من العراق والخليج باتجاه المتوسط.
منظر جوي لميناء اللاذقية، سوريا في 15 ديسمبر 2024.
الإمارات والعراق على الخط
كشف علوش أن سوريا شهدت خلال الأشهر الأخيرة اهتماماً متزايداً من شركات نقل وشحن ومستثمرين وجهات تجارية من دول الخليج والعراق للاستفادة من المرافئ السورية ومسارات الترانزيت البرية والبحرية عبر الأراضي السورية كبديل عملي للوصول إلى البحر المتوسط والأسواق الأوروبية.
من أبرز المؤشرات على ذلك، بحسب علوش، انطلاق أول شحنة سيارات ترانزيت قادمة من الإمارات عبر مرفأ اللاذقية باتجاه الأسواق الأوروبية، حيث ضمت أكثر من 200 سيارة متجهة إلى إسبانيا وبلجيكا ضمن مسار لوجستي متكامل يربط الخليج العربي بأوروبا عبر سوريا. كما استقبل مرفأ طرطوس الباخرة «DANDUN» القادمة من رومانيا والمحملة بشحنة أخشاب كأولى قوافل الترانزيت المتجهة براً إلى العراق منذ 14 عاماً.
وأشار إلى أن وجود حجوزات لاحقة لبواخر إضافية بحمولات كبيرة يعكس تزايد ثقة الشركات الملاحية بقدرة المرافئ السورية على استيعاب حركة التجارة الإقليمية وتقديم خدمات لوجستية فعالة.
كما شهدت حركة الترانزيت البري عبر المنافذ الحدودية مع العراق والأردن نشاطاً متزايداً، خاصة مع تكامل عمل مرفأ اللاذقية مع منفذ نصيب الحدودي والمنافذ السورية مع العراق.
مجموعة السبع تفتح نقاشاً حول إعادة دمج سوريا في النظام المالي العالمي
تطوير الموانئ والبنية التشغيلية
أكد علوش أن سوريا تمتلك جميع المقومات الجغرافية التي تؤهلها لتكون بديلاً جزئياً مهماً للممرات التقليدية، خاصة خلال الأزمات واضطرابات الملاحة الدولية، موضحاً أن المرافئ السورية شهدت منذ مطلع 2025 عمليات تطوير وتحسين واسعة للبنية التحتية والمعدات وأنظمة التشغيل.
وقال إن مرفأ طرطوس استقبل خلال شهر نيسان وحده نحو 100 باخرة، فيما استقبل مرفأ اللاذقية 68 سفينة تجارية، وهو ما يعكس تصاعد النشاط الملاحي بوتيرة متسارعة. وأضاف أن المرافئ السورية باتت قادرة على استقبال أنواع متعددة من السفن، بينها بواخر بحمولات كبيرة نسبياً، في مؤشر على تحسن الجاهزية التشغيلية والبنية التحتية.
وأوضح أن الهيئة عملت على تبسيط الإجراءات الجمركية وتسريع عمليات التخليص، ورفع الجاهزية الفنية واللوجستية للأرصفة والساحات، وتقليل زمن انتظار السفن، إلى جانب إدخال تحسينات تنظيمية لتسهيل حركة الشاحنات والبضائع من وإلى المرافئ.
عودة المرافئ الجافة والقطارات
في إطار إعادة بناء المنظومة اللوجستية، كشف علوش أن الهيئة العامة للمنافذ والجمارك وقّعت اتفاقية مع CMA CGM لتشغيل مرفأين جافين في المنطقة الحرة بعدرا والمنطقة الحرة بحلب، ضمن خطة تطوير قطاع النقل والخدمات اللوجستية وتعزيز الربط بين المرافئ البحرية والمراكز التجارية الداخلية.
كما أشار إلى انطلاق أول رحلة تجريبية لقطار الشحن من مرفأ اللاذقية إلى المرفأ الجاف في عدرا بعد توقف دام 14 عاماً، بهدف إعادة تفعيل النقل السككي وتسريع حركة البضائع وخفض تكاليف النقل وتعزيز كفاءة الترانزيت والخدمات اللوجستية في سوريا.
رهان على الطاقة وخطوط الأنابيب
من جانبه، قال زياد الهاشمي، استشاري اقتصاد النقل الدولي وسلاسل الإمداد، إن التطورات الجيوسياسية الحالية تفتح المجال لإعادة التفكير في شبكات النقل الإقليمية وربطها بسلاسل الطاقة والإمداد العالمية، موضحاً أن الجغرافيا السورية قد تشكل «حلقة وصل آنية» في مسارات الابتعاد عن مناطق التوتر في الخليج، لكنها تحتاج إلى رؤية استراتيجية طويلة الأمد واستثمارات واسعة في البنية التحتية.
أوضح الهاشمي، في تصريحات لـ«إرم بزنس»، أن سوريا قد توفر بدائل مهمة في نقل الطاقة، خصوصاً عبر خطوط الأنابيب، لا سيما للعراق، مشيراً إلى أن خط كركوك بانياس قد يمثل أحد أهم المسارات لتصدير النفط العراقي بتكلفة أقل مقارنة بخط كركوك جيهان التركي، نظراً لقصر المسافة وتقليل الحاجة إلى محطات الضخ، فضلاً عن قربه من الأسواق الأوروبية والأميركية عبر المتوسط.
ليست بديلاً عن موانئ الخليج
ورغم ذلك، شدد الهاشمي على أن سوريا لن تكون بديلاً عن الموانئ الخليجية في حركة البضائع القادمة من آسيا، موضحاً أن موانئ مثل ميناء جبل علي وميناء الفجيرة وميناء خورفكان تمتلك بنية تحتية قوية وحصصاً سوقية راسخة وشبكات ارتباط مباشرة مع شركات الشحن العالمية، ما يجعل العودة إلى المسارات التقليدية في الخليج أمراً مرجحاً بعد انتهاء الأزمات.
وأضاف أن الميزة الرئيسية لسوريا تكمن في قربها من موانئ البحر المتوسط وارتباطها السريع بالموانئ الأوروبية في إيطاليا وإسبانيا واليونان وتركيا، ما يمنحها فرصة أكبر في حركة التجارة بين الخليج وأوروبا، وليس في التجارة الآسيوية المرتبطة تاريخياً بالموانئ الشرقية في المنطقة العربية.
«موانئ دبي العالمية» تؤكد التزامها بتطوير ميناء طرطوس في سوريا
فرصة اقتصادية لدمشق
يرى مسؤولون وخبراء أن تنشيط حركة العبور عبر سوريا لا يقتصر على رسوم الموانئ فقط، بل يشمل سلسلة اقتصادية واسعة تمتد من النقل البحري والمناولة والتخزين إلى الخدمات اللوجستية والنقل البري والتأمين والصيانة، مع ما يرافق ذلك من تشغيل للعمالة وتحريك قطاعات الصناعة والتجارة الداخلية.
في ظل التحولات التي فرضتها أزمة هرمز على حركة التجارة والطاقة في المنطقة، تراهن دمشق على أن موقعها الجغرافي وموانئها على المتوسط قد يمنحانها فرصة لاستعادة دور إقليمي غاب لسنوات طويلة عن خريطة النقل الدولية.
هذا المحتوى مقدم من إرم بزنس

