عماد داود يكتب : حزب الشاي الأردني! ثلاثية السخام والبكرج والغليان

خمسة وخمسون مليون دينار شاي!

قف قليلاً!

هذا ليس رقماً يمر كالريح ولا بنداً في دفتر حسابات بارد ولا خبراً خفيفاً يصلح لنهاية نشرة!

هذا رقم يشبه تشخيصاً نفسياً لبلد كامل!

ستة عشر مليون كيلوغرام من أوراق سوداء جافة، يسكبها الأردنيون سنوياً في الماء المغلي، ثم يشربونها ببطء يشربون الواقع كما هو: مغلياً، ثقيلاً، ومراً، كأنهم يبتلعون حصى الطريق كل يوم على دفعات صغيرة حتى لا يسمع أحد صوت الانكسار!

في الحسابات الباردة يسمّونه استهلاكاً.

أما هنا فهو كلفة الحفاظ على السلم الأهلي الداخلي لأعصاب شعب كامل!

بل كلفة تأجيل الانهيار!

فرق شاسع بين رقم اقتصادي ووصفة نجاة وطنية!

---

الأردني لا يشرب الشاي لأنه يحب الشاي.

يشربه لأن نشرات الأخبار أطول من قدرة القلب على الاحتمال!

ولأن الراتب لا يصل كاملاً أبداً يصافحك من طرف إصبعه، ثم ينسحب قبل أن تشعر بقبضته!

ولأن أسعار كل شيء ترتفع إلا المعنويات!

ولأن المواطن اكتشف منذ سنوات أن الغضب لا يُسقط الفواتير، ولا يجمّد الضرائب، ولا يوقف قسط البنك بينما كأس الشاي تمنحك وهماً صغيراً بأن الحياة ما تزال قابلة للهضم!

هذا ليس مشروباً!

هذا طقس نجاة يومي للأعصاب!

شيء يقع بين العلاج النفسي الجماعي، والعادة الدفاعية الشعبية، وصفارة الأمان الأخيرة قبل الانهيار العصبي الكبير!

---

ولهذا أدعو إلى تأسيس أخطر حزب غير معلن في تاريخ الأردن السياسي كله:

حزب الشاي الأردني!

حزب بلا أيديولوجيا بلا بيانات سياسية بلا مؤتمرات صحفية بلا معارضة ولا موالاة بلا برامج انتخابية ولا مرشحين ولا صناديق اقتراع!

لا يحتاج إلى قوائم انتخابية

لأن كل بيت في الأردن فرع رسمي من فروعه!

وأعلن بكامل قواي العقلية المنهكة اقتصادياً تنصيب نفسي أميناً عاماً له مدى الحياة أو حتى ينفد السكر من السوق!

حزب يولد خارج كواليس الاستماتة النيابية، وبعيداً عن المناكفات التي تحوّلت فيها الطموحات الديمقراطية إلى معارك كسر عظم على المقاعد والصور والميكروفونات!

حزب لا يعرف صراع الديكة على القوائم الانتخابية، ولا تُدار اجتماعاته بالتجييش الفضائي أو المناورات الرقمية!

فلسفتنا الحقيقية أبسط وأخطر:

كيف يستطيع الإنسان أن يغلي كل هذا الوقت دون أن ينفجر؟!

وبعد كل هذا الخراب

ما يزال الخلاف الحزبي الوحيد المسموح به:

"الشاي بالميرمية أم بالنعناع؟!"

أما شروط الانتساب الرسمية، فأبرزها:

* إتقان صبّ الشاي من علوّ دون إغراق الطاولة أو إحراق كرامة الكأس!

* القدرة على قول: "بدّنا نروق!" بعد كل نشرة أخبار دون انهيار عصبي مباشر!

* امتلاك خبرة طويلة في تحريك الملعقة داخل الكوب والتحديق في الفراغ كأنك تراجع أخطاء الشرق الأوسط كلها دفعة واحدة!

* والقدرة الوطنية الخارقة على تأجيل الانفجار الشخصي حتى إشعار آخر!

فنحن حزب يحاول إنقاذ ما تبقّى من الأعصاب

لا ما تبقّى من المقاعد!

---

وهنا فوق جمر الغليان يظهر السر الذي لا تستطيع الموازنات تفسيره!

أن هذا الحزب بلا أيديولوجيا لكنه يمتلك أيديولوجيا لا تُكتب!

أيديولوجيا مدهونة بالسخام على جدران المقاهي الشعبية، وتقول بهدوء قاتل:

"لا للمساءلة نعم للشاي بلا أسئلة!"

ليس لأن الناس لا يريدون المساءلة

بل لأنهم اكتشفوا أن المساءلة في هذا البلد تُشرب مثل الشاي:

تبدأ ساخنة ثم تبرد ثم تُترك في الكأس حتى الغد!

---

وبطاقة العضوية؟!

ليست ورقية.

إنها ندبة خفيفة تتكوّن تلقائياً داخل الروح!

لا لون لها إلا لون السخام!

وتُمنح لكل من تتوفر فيه الشروط التالية:

أن يكون قد تأخر راتبه حتى صار التأخير جزءاً من تعريف الراتب نفسه!

وأن يكون قد دفع فاتورة كهرباء بأضعاف ما يستهلك ثم صمت، لأنه يعلم أن الاعتراض يحتاج إلى وقت والوقت يحتاج إلى حياة والحياة نفسها تحتاج إلى شاي!

وأن يكون قد ابتلع ظلماً بحجم وطن ثم اكتشف أن طعم الظلم يشبه طعم الميرمية إذا أفرطت فيها: مرارة تدّعي أنها فائدة!

---

أما أعلى درجات العضوية "قلادة الغليان الصامت" فلا تُمنح إلا لمن يسمع خبراً يقتل آخر ما تبقى فيه

فيرفع كأسه بيد لا ترتجف

ويقول: "الحمد لله."

ثم يشرب!

وكأن شيئاً لم يحدث!

وكأن جثث أحلامه تطفو داخل الكأس مثل أوراق الشاي الرخيصة!

---

هؤلاء هم القادة الحقيقيون.

ليسوا في البرلمان.

هم في البيوت.

يجلسون على كراسٍ بالية.

يغلي البكرج أمامهم.

ويبتسمون ابتسامة من يعرف أن البلد لم يعد يعيش بالمعنى الكامل لكنه ما يزال يؤجل سقوطه بمهارة أسطورية!

---

وهذا هو ما لم يصل إلى السماء بعد!

لأن السماء في الأردن ليست فارغة

إنها مزدحمة بأدخنة البكارج التي تصاعدت منذ عقود!

ولهذا عندما.....

لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه


هذا المحتوى مقدم من خبرني

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من خبرني

منذ 9 ساعات
منذ 3 ساعات
منذ ساعة
منذ 5 ساعات
منذ 3 ساعات
منذ 3 ساعات
خبرني منذ 13 ساعة
قناة رؤيا منذ 7 ساعات
صحيفة الرأي الأردنية منذ 9 ساعات
صحيفة الرأي الأردنية منذ 52 دقيقة
وكالة عمون الإخبارية منذ 23 ساعة
قناة رؤيا منذ 10 ساعات
رؤيا الإخباري منذ 15 ساعة
وكالة عمون الإخبارية منذ 21 ساعة